ويصرّح العكبري بأهميّة العطف في ترابط الخطاب ، وتوخّي المعنى في الوصل والقطع في إعرابه للآية ( 246 ) قال : " وما لنا " ما : استفهام في موضع رفع بالابتداء ، و ( لنا ) الخبر ، ودخلت الواو لتدلّ على ربط هذا الكلام بما قبله ، ولو حذفت لجاز ان يكون منقطعا عنه ، وهو استفهام في اللفظ وإنكار في المعنى " « 1 » .
وفي تفسير الزمخشري أيضا للآية " صبغة اللّه ومن أحسن من اللّه صبغة ونحن له عابدون " قال : " إنّما جيء بلفظة ( الصبغة ) على طريقة المشاكلة ( لصنيع النصارى في المعموديّة ) وقوله " ونحن له عابدون " عطف على ( آمنا باللّه ) وهذا العطف يردّ قول من زعم أنّ ( صبغة اللّه ) بدل من ( ملّة إبراهيم ) ونصب على الإغراء بمعنى : ( عليكم صبغة اللّه ) لما فيه من فك النظم وإخراج الكلام عن التئامه واتساقه " « 2 » . إن البدائل التي يرجّح المعرب من خلالها تهدف كما لخّص ذلك الزمخشري إلى اتّساق النظم ، وديمومة التئامه واتّساقه ، وأي بديل يؤخّر هذا الهدف يستبعد ثم انظر إلى موضوع المشاكلة الدلاليّة التي أشار إليها في أوّل القول وعلاقة ذلك كلّه بالسياق .
ونخلص من كلّ ذلك إلى أنّ معربي كتاب اللّه عزّ وجل قد اهتمّوا اهتماما بالغا بمواضع العطف وحروفه ، وصرّحوا بالعطف وسيلة للوصل والربط بين أجزاء النصّ الكريم ، ووقفوا عند معنى العطف في الجملة ، ومتى يقصد بالجملة القطع ومتى يقصد بها الاتصال ، من خلال نظرهم في معاني الجمل والمفردات المجاورة في عمليّة العطف ، ولعلّ هذا يعدّ مدخلا من مداخل ( نحو النص ) الذي ينظر إلى ما يسبق الجملة وما يليها ، ويمكن أن يطوّر النظر إليه واعتباره بذرة في تنمية ( علم النصّ ) وهو ما أصبح ضرورة لازمة في الوقت الحاضر نظرا لتوسّع الفنّ السردي كالقصّة والرواية . وعلم النصّ أداة مهمّة من أدوات تحليل هذا الفن ، في ضوء ظهور ما يعرف بعلم اللّغة الأدبي . إنّ ملاحظات النحاة
هامش
( 1 ) العكبري ، 1 / 196 .
( 2 ) الزمخشري الكشاف ، 1 / 196 .