الإفاضة الأولى غير مأمور بها ، إنّما المأمور به ذكر اللّه إذا فعلت الإفاضة ، والثاني : أن تكون هذه الجملة معطوفة على قوله :
" وَاتَّقُونِ يا أُولِي "
ففي الكلام تقديم وتأخير وهو بعيد ، والثالث أن تكون ( ثمّ ) بمعنى الواو ، وقد قال به بعض النحويّين ، من يعطف كلام على كلام منقطع من الأوّل ، والرابع أنّ الإفاضة الثانية هي من مزدلفة إلى منى ، والمخاطبون بها جميع الناس " « 1 » . وفي هذا النص ربط بالمقام الخارجي بتفاصيله ، وربط بحركات الحجّ وشعائره ، وربط بالمخاطبين كذلك .
ويشير الزمخشري إلى علاقة السياق بالفصل والوصل ، بقوله في تفسير الآيات الأولى من سورة البقرة : " فان قلت : لم قطعت قصّة الكفّار عن قصّة المؤمنين ولم تعطف ، قلت لأنّ الأولى فيما نحن فيه سوقه لذكر الكتاب ، وأنّه هدى للمتقين ، وسيقت الثانية لأنّ الكفّار من صفتهم كيت وكيت ، فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب ، وهما على حد لا مجال فيه للعاطف ، فإن قلت هذا ، إذا زعمت أنّ الذين يؤمنون جار على المتّقين ، فأمّا إذا ما ابتدأته وبنيت الكلام لصفة المؤمنين ثمّ عقّبه بكلام آخر في صفة أضدادهم كان مثل تلك الآي . . . " فإن قلت : فلم جاء الإيمان مطلقا في الثاني ، وهو مقيّد في الأول ؟ قلت : يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه ، وأن يراد بالإطلاق أنّهم ليسوا من الإيمان في شيء قطّ ، لا من الإيمان باللّه وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما " « 2 » . إنّ الزمخشري يحرّكه في تأويله هنا السياق العام للآيات ( تتابعها وتجاورها وموضوعها ) ( مسوقة . . . ) والعطف يقتضي تناغم السياق والموضوع ، فإذن لا مجال هنا للعاطف بين موضعين لا يوجد بينهما مثل هذا التناغم فهما متباينان في الأسلوب ، ويحرّكه كذلك غرض النصّ ومقصده ، فاختلاف الغرض ينفي احتمال العطف .
هامش
( 1 ) السمين الحلبي : أحمد بن يوسف ( ت 756 ه ) ، الدّر المصون في علوم الكتاب المكنون ، تحقيق د . أحمد الخرائط ، ط 1 ، دار القلم / دمشق / 1986 ، 2 / 332 .
( 2 ) الزمخشري ، الكشاف ، 1 / 55 .