( 1 - 3 ) الحذف وترابط النصّ
يستعين النحاة بعوامل سياقية عديدة في تقدير المحذوف كما رأينا ، ومن ذلك الاستعانة بترابط النصّ وتعالقه ، وتعالق العناصر المشكّلة له ، ومن أمثلته قوله تعالى في الآية ( 89 ) من سورة البقرة :
" وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . . .
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا "
. " فحذف جواب ( لمّا ) أي كفروا ، ودلّ عليه قوله تعالى : "
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ "
، ولا يكون ( لمّا ) الثانية بجوابها جواب ( لمّا ) الأولى لأنّا لا نعلم . . . . " « 1 » . إنّ المعرب هنا اتكأ على التآلف النحوي في جملة الشرط . ومن باب الاستعانة بالاتّساق الدلالي والصرفي ما جاء في تقدير المضمر في قوله تعالى
" خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ "
أي على مواضع سمعهم فحذف لأنّه استغنى عن جمعه " « 2 » . وقد مرّ بنا في مكان سابق من هذا الكتاب « 9 » ما قاله المفسّرون عن اتّساق مفردات النصّ ، من حيث أبنيتها ، ومن حيث المفرد والجمع . ونوع الجمع ، إنّ المعرب يعتمد على حقيقة أنّ الاتّساق يقتضي أن تدلّ ( سمعهم ) على الجمع لأنّها قد سبقت بجمع وهو ( قلوبهم ) ، ولذلك جاء تقدير المحذوف من خلال هذه الحقيقة . ومثله تقديرهم " صوموا أياما معدودات " فحذف " صوموا " في قوله
" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ . . .
أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ "
. لأنّ قوله
( كُتِبَ عَلَيْكُمُ )
يدلّ عليه " « 3 » . وقال " لأنّه لا ينتصب ب ( الصيام ) لأن الصيام مصدر فلا يفصل بينه وبين أيام بالكاف المنصوبة ب ( كتب ) لأنّ التقدير : سنكتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على الذين من قبلكم " « 4 » .
إنّ القاعدة النحويّة والصرفيّة والدلاليّة تبقى حاضرة في ذهن المعرب وهو يقدّر المحذوف ، ولكنّ الذي يبقى حاضرا أكثر هو ترابط النصّ واتّساقه الداخلي والخارجي .
هامش
( 1 ) الزجاج ، ص : 43 .
( 2 ) نفسه .
( 9 ) انظر تنوع الصيغ في الخطاب وعلاقته بالسياق ، في المبحث الثاني من هذا الفصل .
( 3 ) نفسه ، ص : 23 .
( 4 ) نفسه .