سورة يوسف ، لا يخلّ أبدا بالاتّساق الداخلي في النصّ ، ولكنّه يترك فراغات في تسلسل الحوادث في العالم الخارجي أو الواقعي ، فيسارع المعرب إلى تقدير هذه المتسلسلات بما يضمن تماسكها ووصولها إلى البناء المكتمل الخالي من الثغرات . وانظر مثال ذلك في قوله تعالى :
" فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى "
في الآية ( 73 ) ، قالوا في تقديرها " أي فضربوه ببعضها فحيي ، وأخبر بقاتليه ثم خرّ ميتا ، ويدلّ على صحّة الإضمار قوله : "
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ "
في الآية ( 74 ) ( فقست ) معطوف على ( خرّ ) " « 1 » . إنّ هاهنا ملاحظتين :
الأولى تتعلّق بما قلناه من سياق السرد وتواؤم البناء السردي ، والثانية استشهاده بوقائع الآية التالية وهو لون من التماس الاتّساق عبر السياق اللّغوي . ومثل هذا الاستئناس في تقدير المحذوف بما يلي من الجمل الواردة بعد موضع الحذف كثير .
وانظر إلى هذا التقدير الذي لا يمكن أن يكون مأخوذا إلّا من خارج النصّ ( أي من المقام ) وذلك في قوله تعالى في الآية ( 97 )
" قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ "
وتقديره " فليمت غيظا " « 2 » . إنّ هذا من باب تقدير الجملة ، ولكنّه مستلّ من العالم الخارجي الذي يحدّد علاقة المخاطب بالمخاطبين ، وهم أعداء للرسالة ويضمرون لها الشرّ ، فاستوحى المعرب هذا المعنى وقدّر المحذوف بحسبه . وتقدير المعنى الذي يحتمله النصّ ، آلية أخرى من آليّات تقدير المحذوف ، بل هي آليّة يستخدمها المعربون في توجيه النصّ ففي الآية الكريمة رقم ( 178 )
" فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ "
قيل : " يجوز أن يرتفع ( شيء ) ب ( عفي ) أو بفعل محذوف يدلّ عليه قوله ( عفي ) لأنّ معناه ترك له شيء من أخيه ، أي من حقّ أخيه ثم حذف المضاف ، وقدّم الظرف الذي هو صفة للنكرة عليها فانتصب على الحال في الموضعين منها ، وهذه الآية تجاذبها باب الجملة ، وباب الإضافة وباب حذف حرف ( الجر ) وباب الحال " . « 3 » ومن تقدير المعنى المتّصل بالحذف والسياق تقدير المعربين لجواب ( لو ) في
هامش
( 1 ) الزجاج ، إعراب القرآن ، ص 20 .
( 2 ) نفسه ، ص 21 .
( 3 ) نفسه ، ص 23 .