وفي بيان أهميّة المعرفة بالبيئة نجد الإمام الشاطبي يذكر أنّ من بين أنواع المقاصد الشرعيّة " مقصد وضع الشريعة للإفهام " « 1 » . وركّز في بيان هذا القصد على كثير من خصوصيّات تلك البيئة التي يجب أن تفهم الشريعة في ظلّها ، ومن بينها أحوال المخاطبين ، والأعراف والعادات ، وغيرها . وعند الأصوليّين ما اصطلح عليه " بعبارة النصّ " أو المنطوق الصريح . ويقصد بها الصيغة المكوّنة من المفردات والجمل وقد سميّت الألفاظ الدالّة على المعاني عبارات ، لأنّها تفسّر ما في الضمير الذي هو مستور ، وتعبّر عنه وتظهره للوجود « 2 » .
وبذلك يظهر أنّ الضابط الأساسي الذي يميّز عبارة النصّ من إشارته ، هو دلالة اللّفظ بالوضع على الحكم والقصد إنّما يتوقف عليه في التمييز بينهما : فيما يستفاد من خارج اللّفظ أي من مدلول اللفظ بطريق اللّزوم .
ولعلّ هذا المعيار الدقيق هو الذي جعل بعض الأصوليّين يمثّلون لعبارة النصّ بقوله تعالى :
" وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ "
« 3 » . حيث رأى أنّ الحكم المستفاد من اللام في ( له ) والذي هو اختصاص الآباء بنسب الأبناء إليهم دون غيرهم ، مدلول عليه بعبارة النصّ لا بإشارته كما هو رأي الجمهور لأنّ التعبير عن الأب بالمولود له يدلّ على مزيد اتصال الولد بأبيه ، واختصاصه به حتى كأنّه ملك له ، وهو معنى متبادر من اللّفظ ومقصود منه ، ولكنّه ليس هو المقصود الأوّل ، ويمكن إفادة المعنى الأوّل بدونه ، بأن يقال " وعلى الأب رزقهن وكسوتهن بالمعروف " فهو مقصود تبعا ، ومن ثمّ كانت الدلالة عليه عبارة لا إشارة " « 4 » .
وكدلالة عبارة النصّ عند الحنفيّة على المعنى الالتزامي إذا كان مقصودا للمتكلّم ، مثل التفرقة بين حقيقة البيع وحقيقة الربا في قوله تعالى : " وأحلّ اللّه البيع وحرّم الربا " . وقالوا
هامش
( 1 ) الشاطبي ، الموافقات ، 2 / 64 .
( 2 ) كشف الأسرار 1 / 67 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية 233 .
( 4 ) كشف الأسرار ، 1 / 68 .