2 - المخاطب والنصّ والسياق :
يقسّم علماء الأصول الخطاب بحسب السامع إلى واضح الدلالة وخفيّ الدلالة ، وواضح الدلالة عند كلّ من الحنفيّة والجمهور هو الظاهر والنصّ والمفسّر ، وهذه التقسيمات جميعا التمست بحسب السامع أو المخاطب . ويضربون للظاهر أمثلة عديدة منها قوله تعالى :
" وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا "
« 1 » . فدلالة الآية واضحة على إحلال البيع وتحريم الربا من غير احتياج إلى قرينة خارجيّة ، ولكنّ هذا المعنى ليس هو المقصود بالأصالة من سوق الآية ، بل المقصود منه هو نفي التماثل بين البيع والربا ، وإثبات التفرقة ، لأنّ الآية إنّما قيلت في الردّ على أكلة الربا الذين يقولون
" إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا "
وبذلك يكون المعنى الأول هو الظاهر منها ، لأنّه المقصود بالتبعيّة لنفي التماثل . ثمّ من جهة أخرى فإنّ البيع والربا في الآية لمّا كانا عامّين ، احتملا التخصيص والقصر على بعض أنواع البيوع ، واحتملت الآية كذلك النسخ باعتبارها خطابا يتعلّق بأحكام جزئيّة تكليفيّة " « 2 » .
وأما المفسّر فمثل قوله تعالى :
" وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ "
« 3 » . وقوله سبحانه
" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ "
« 4 » . فقد فسّرت ألفاظ الصلاة والزكاة والصيام ، بأقوال وأفعال متواترة من النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - قاطعة في دلالتها على المعنى منها والداعي إلى تفسير الخطاب يرجع إمّا إلى الخطاب ذاته ، بأنّه كان مجملا أو إلى المتكلّم إذا كان الكلام ظاهرا في إفادة معناه ، ولكنّه يحتمل أن يراد به غير ظاهره ، فيرفع المتكلّم ذلك
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 275 ) .
( 2 ) الإمام علاء الدين عبد العزيز بن أحمد البخاري ت ( 730 ه ) ، كشف الأسرار ، ط 2 ، دار الكتاب العربي / بيروت / 1974 ، ص ( 46 - 47 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 110 ) .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية 182 .