في آل عمران والنساء نكرة أي بغير حقّ في معتقدهم ودينهم ؛ فكان بالتنكير أولى " « 1 » . إنّ المعتقدات والمعرفة قد تكون جزءا من السياق الثقافي والاجتماعي للمخاطب وتتبدّى جليّة في الخطاب اللغوي .
ومن أمثلته أيضا قوله تعالى في سورة البقرة في الآية ( 126 )
" رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً "
على التنكير ، وفي سورة إبراهيم في الآية ( 35 )
" رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً "
على التعريف لوجهين : " الأوّل أنّ الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدا ، كأنّه قال : اجعل هذا الوادي بلدا آمنا . . والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدا ، فكأنّه قال :
اجعل هذا المكان الذي صيّرته بلدا ذا أمن وسلامة . والثاني أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلدا . فقوله
" بَلَداً آمِناً "
تقديره : ( اجعل هذا البلد بلدا آمنا ) كقولك : كان اليوم يوما حارّا ، وهذا إنّما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأنّ التنكير يدلّ على المبالغة ؛ فيكون معناه " اجعله من البلدان الكاملة في الأمن " . وأمّا قوله ربّ اجعل هذا البلد آمنا فليس فيه إلّا طلب الأمن لا طلب المبالغة " « 2 » .
3 - جمل الخطاب بين الاسميّة والفعلية وعلاقته بالسياق
يدرس أهل علم المعاني هذا الموضوع دراسة وافية ، ويضعون لكلّ من الجملة الاسمية والفعلية المواضع المناسبة لاستعمالها ، وقد رصد المفسّرون بعض هذا التنوّع في جمل الخطاب ، وتراوحها بين الاسميّة والفعليّة ، وضروب الخبر والإنشاء فيها ، وحاولوا أن يلتمسوا له تفسيرا من خلال المقام . ومن أبرز أمثلته ما أورده الرازي في تفسيره للآية
" وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ "
« 3 » .
هامش
( 1 ) الفيروزآبادي ، بصائر ذوي التمييز ، 1 / 144 .
( 2 ) تفسير الرازي ، 3 / 59 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 14 ) .