ويتساءل الزمخشري مرّة أخرى عن استخدام الفعل المضارع بدلا من اسم الفاعل في قوله
" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ "
" فإن قلت : فهلّا قيل : " اللّه مستهزئ بهم ليكون طبقا لقوله
" إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ "
قلت : " لأنّ يستهزئ يفيد حدوث الاستهزاء وتجدّده وقتا بعد وقت ، وهكذا كانت نكايات اللّه فيهم وبلاياه النازلة بهم " « 1 » . وهنا البحث يدور حول الاتّساق الداخلي والخارجي ، الداخلي في أهميّة المطابقة بين صيغ الخطاب ( مستهزئ ومستهزءون ) والخارجي ؛ وهو المتّصل بحالهم مع اللّه ، وغرضه من هذه الصيغة تجاههم .
وفي موضع آخر يتساءل : فهلّا قيل ( تعبدون ) في الآية ( 22 ) في مكان ( اعبدوا ) ؟ أو ( اتّقوا ) لمكان تتقون ؟ ليتجاوب طرفا النظم " ويجيب " ليست التقوى غير العبادة حتّى يؤدّي ذلك إلى تنافر النظم ، وإنّما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده ، فإذا قال " اعبدوا ربكم الذي خلقكم " للاستيلاء على أقصى غايات العبادة ، كان أبعث على العبادة واشدّ إلزاما لها ، وأثبت لها في النفوس . ونحوه أن تقول لعبدك : احمل خريطة الكتب ، فما ملكتك يميني إلّا لجرّ الأثقال ، ولو قلت : لحمل خرائط الكتب ، لم يقع من نفسه ذلك الموقع " « 2 » . في هذا النصّ رصد لتبدّلات الصيغ في النصّ ، ثمّ تأويلها من خارج النصّ وإثبات لأثرها في نفس السامع أو المخاطب .
ومن الصيغ التي تنبّهوا لها التعبير بالمفرد والجمع ، ونوع الجمع بين قلّة وكثرة ودلائل ذلك في السياق . ومنه تساؤل الزمخشري عن التعبير بالثمرات دون الثمر " فإن قلت فالثمر المخرج بماء السماء كثير جمّ ، فلم قيل : الثمرات دون الثمر والثمار ، قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يقصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك : فلان أدركت ثمرة بستانه أريد ثماره والثاني : أنّ الجموع يتعاور بعضها موقع بعض لالتقائها في الجمعية " « 3 » . إنّ التفسير هنا مستمدّ من اللّغة مباشرة ولكنّه يدلّ على حرص المفسّر على وجود الاتّساق
هامش
( 1 ) الكشاف ، 1 / 67 .
( 2 ) نفسه ، 12 / 85 .
( 3 ) نفسه ، 1 / 94 .