" إنّ لفظ الجمع المعرّف بلام التعريف يفيد العموم ، ويرغّبك في طلب ما طلبوا ، وينشّطك لتقديم ما قدّموا ، ويثبّطك عن الطمع الفارغ ، والرجاء الكاذب " « 1 » . فهنا إشارة إلى أنّ التعريف والتنكير من العناصر التي تقوّي غرض الخطاب ، ودلالته وهو مثل آخر على دور هذه الظاهرة اللّغوية في تقوية السياق .
وفي تفسير الآية ( 125 ) وهي قوله :
" وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا . . . "
قال الرازي " أمّا البيت فإنّه يريد البيت الحرام ، واكتفى بذكر البيت مطلقا لدخول الألف واللام عليه ، إذ كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس ، وقد علم المخاطبون أنّه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة " « 2 » . إنّ ما يدّخره المخاطب في حافظته من علم يبني عليه السياق ، ومثله في تفسير الطبري تعليقه على تعريف ( السفهاء ) « 3 » ، اتكاء على معرفة المخاطب لهؤلاء السفهاء .
ويبدو استقصاء الظاهرة اللّغويّة في سياقين متشابهين مختلفين أمرا غاية في الفائدة ، وانظر هذه الأمثلة في مسألة التعريف والتنكير فقد جاء في سورة البقرة قوله تعالى :
" وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ "
« 4 » . وفي سورة آل عمران قال
" وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ "
« 5 » ، وفي النساء
" وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ "
« 6 » قيل : " لأنّ ما في البقرة إشارة إلى الحقّ الذي أذن اللّه أن يقتل النفس فيه ، وهو قوله :
" وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ "
« 7 » . وكان الأولى بالذكر لأنّه من اللّه تعالى ، وما
هامش
( 1 ) الكشاف ، 1 / 49 .
( 2 ) تفسير الرازي ، 4 / 46 .
( 3 ) تفسير الطبري ، 1 / 116 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية ( 61 ) .
( 5 ) سورة آل عمران ، الآية ( 21 ) .
( 6 ) سورة النساء ، الآية ( 155 ) .
( 7 ) سورة الأنعام ، الآية ( 151 ) .