صيّب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل ، وأمّا السماء فقد جاء بها معرفة فنفى أن يتصوّب من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق لأنّ كلّ أفق من آفاقها سماء . . . . . .
والمعنى أنّه غمام مطبق آخذ بآفاق السماء ، وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء ، والتنكير أمد ذلك بأن جعله مطبقا " « 1 » . إنّ مجرد السؤال عن التنكير والتعريف في سياق دون آخر ، هو تصريح بصدور المفسّر عن هذا الأصل . وهو علاقة النصّ اللّغوي بالمقام الاجتماعي . إنّ تخطي القاعدة النحويّة أو إعمالها في سياق دون آخر يجعل الأمر غير مرتبط بالمستوى اللّغوي فقط وإنّما يتجاوزه إلى ما يحيط بممارسة اللغة وهو الظرف الاجتماعي أو المقام .
إن تنكير جنات في الآية ( 25 ) ، وتعريف ( الأنهار ) في هذه الآية مظهر لغوي جدير بالانتباه ، لأنّه قد يظنّ تعارضه مع الواقع ، فيسارع المفسّر إلى إيضاح هذا بقوله :
" لأنّ الجنّة اسم لدار الثواب كلّها ، وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتّبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين ، لكلّ طبقة منهم جنّات من تلك الجنان أمّا تعريف الأنهار فإنّه يراد بها الجنس كما تقول لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه ، تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب . . . " « 2 » . إنّ الواقع أو المقام اتّصل مباشرة بهذه الظاهرة السياقيّة كما أنّ المعلومات السابقة للمخاطب تتحكّم هنا أيضا كما في هذا المثال الأخير .
وقد اعتبر الرازي موافقة التعريف والتنكير للمقام الاجتماعي إصابة لمحزّ البلاغة في تفسيره للآية
" وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ "
وقال : " كلام فصيح ، وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة وقد جعل مكانا وظرفا للحياة ، ومن إصابة محزّ البلاغة بتعريف القصاص وتنكير الحياة لأنّ المعنى . . . " « 3 » . وقد يكون التعريف لتخريج النّصّ مخرج العموم كما أورد الرازي في تفسيره للآية
" يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ "
. ثم يعقّب على هذا بقوله :
هامش
( 1 ) الكشاف ، 1 / 82 .
( 2 ) نفسه ، 1 / 107 .
( 3 ) تفسير الرازي ، 3 / 54 .