تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
قال الرازي : " لم كانت مخاطبتهم المؤمنين بالجملة الفعليّة ، وشياطينهم بالجملة الاسميّة محقّقة ( بأن ) ؟ والجواب : ليس ما خاطبوا به المؤمنين جديرا بأقوى الكلامين لأنّهم كانوا في ادّعاء حدوث الإيمان منهم ، لا في ادّعاء أنّهم في الدرجة الكاملة منه ، إمّا لأنّ أنفسهم لا تساعدهم على المبالغة لأنّ القول الصادر عن النفاق والكراهة قلّما يحصل معه المبالغة وإمّا لعلمهم بأنّ ادّعاء الكمال في الإيمان لا يروج على المسلمين . وأمّا كلامهم مع إخوانهم فهم كانوا يقولونه عن الاعتقاد ، وعلموا أنّ المستمعين يقبلون ذلك منهم فلا جرم كان التأكيد لائقا به ، وإذا سئل كيف تعلّق قوله
" إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ "
بقوله " إنّا معكم " الجواب هو توكيد له لأنّ قوله
( إِنَّا مَعَكُمْ )
معناه الثبات على الكفر . وقوله "
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
" ردّ للإسلام ، وردّ نقيض الشيء تأكيد لثباته أو بدل منه لأنّه من حقّر الإسلام فقد عظّم الكفر " « 1 » . إنّ النّص يعبّر ليس عن الحال العام للموضوع فحسب ، وإنّما يدخل إلى خلجات نفوسهم فيصوّرها عن طريق أدوات اللغة وأساليبها ، إنّ حال المنافقين مع الدين متلوّن متبدّل يناسبه التغيير بالجملة الفعليّة لارتباطها بالزمن ، ففي حال وجودهم مع المؤمنين يكونون في حال إيمان ظاهر وإذا تركوهم عادوا إلى الكفر ، وأمّا حالهم مع أصدقائهم من الشياطين والكفّار فهو ثابت وهو الكفر وكراهية الدين ، فعبروا عنه بجملة اسمية مؤكّدة " إنّا معكم " . ومن أمثلته كذلك عند الرازي في تفسيره للآية
" لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ "
قال : وأمّا قوله
" لَمَثُوبَةٌ . . "
« 2 » ففيه وجوه أحدها : أنّ الجواب محذوف وتقديره " ولو أنّهم آمنوا واتّقوا لأثيبوا إلّا أنّه تركت الجملة الفعليّة إلى هذه الاسمية ، لما في الجملة الاسميّة من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها ، فإن قيل : هلّا قيل لمثوبة اللّه خير ؟ قلنا : لأنّ المراد
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 69 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 103 ) .
الخطاب القرآني — صفحة 323 | خلود العموش