إنّ هذا خطاب معهم حال الاجتماع لأنّ قوله " جعلناكم " خطاب لمجموعهم لا لكلّ واحد منهم وحده " « 1 » .
ويتمّ معالجة بعض الآيات في المستوى التداولي ، ومن ذلك المعرفة المسبقة في ذهن المخاطب ، وانظر قول الزمخشري في تفسير الآية ( 24 ) " فإن قلت : صلة " الذي " و " التي " يجب أن تكون قصّة معلومة للمخاطب ، فكيف علم أولئك أنّ نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟ قلت : لا يمتنع أن يتقدّم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب . . . " « 2 » . ومن أمثلة دور المخاطب في النصّ على المستوى التداولي أيضا ، وأثر هذا الدور في الصياغة اللّغوية للنصّ ما قيل في تفسير الآية : "
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ
" قال الطبري :
" وإنّما أدخلت الألف والألم في ( الناس ) وهم بعض الناس لا جميعهم ، لأنّهم كانوا معروفين عند الذين خوطبوا بهذه الآية بأعيانهم " « 3 » . فهو يبنى هنا على المعرفة السابقة المتحصّلة لدى المخاطب ، وهذه مسألة مهمّة في تفسير معنى الخطاب فلا يكون المخاطب بحاجة إلى ذكر التفاصيل باعتبارها معروفة لديه .
لقد أوضحنا سابقا أنّ الاتساق بين النصّ والسياق بمختلف عناصر هذا السياق هو الهدف الذي يحكم التأويلات المختلفة للمفسّرين ، وقد تكون المطابقة بين هذا النصّ وسياقه هو مظهر من مظاهر هذا الاتساق ، يقول الطبري : " فإن قلت : لمن الخطاب في قوله " ولا يحلّ لكم أن تأخذوا " إن قلت للأزواج لم يطابقه قوله
" فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ "
وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن ، قلت : يجوز الأمران جميعا ، أن يكون أوّل الخطاب للأزواج ، وآخره للأئمة والحكام ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره ، وأن يكون الخطاب كلّه للأئمة والحكام لأنّهم الذين يأمرون بالأخذ
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 4 / 99 .
( 2 ) الكشاف ، 1 / 102 .
( 3 ) نفسه ، 1 / 104 .