وهدف الخطاب له أثر في تكوين الأسلوب وتنويع الضمائر وطرائق الخطاب ، فمثلا كان القصد إلى إنكار الدعوى أو المقولة سببا في عدم المطابقة بين قوله تعالى "
وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
" وقولهم "
آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
" . والأوّل في ذكر شأن الفعل لا الفاعل ، والثاني في شأن الفاعل لا الفعل ، ويعبّر عنه الزمخشري بقوله " القصد إلى إنكار ما ادّعوه ونفيه ، فسلك في ذلك طريقا أدّى إلى الغرض المطلوب ، وفيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره ، وهو إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن تكون طائفة من طوائف المؤمنين لمّا علم من حالهم المنافية لحال الداخلين في الإيمان . . . . فإن قلت فلم جاء الإيمان مطلقا في الثاني ، وهو مقيّد في الأول ؟ قلت يحتمل أن يراد التقييد ويترك لدلالة المذكور عليه ، وأن يراد بالإطلاق أنّهم ليسوا من الإيمان في شيء " « 1 » . إنّ الكيفيّة التي عرض النّص من خلالها موضوعه ، والعلاقات التي استثمرها كالتقييد والإطلاق ، كلّ ذلك مرتبط بالمقام " حالهم " ومرتبط مباشرة بغرض الخطاب كما صرّح بذلك الزمخشري .
وتتعدّد الأغراض والأهداف في الخطاب القرآني ، وكلّ هدف منها يجد صداه يتردّد داخل النصّ ، في بنيته وتركيبه ومفرداته ، وأسلوبه ، وأصواته ، وبداءاته ، وفواصله ، فمثلا ينظر المفسّر في قوله تعالى : "
أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ ، وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ، وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ ، أَ فَلا تَعْقِلُونَ
" « 2 » . قال الزمخشري : " قوله "
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ
" تبكيت ، أو فيها الوعيد على الخيانة ، وترك البرّ ، ومخالفة القول العمل "
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
" توبيخ عظيم بمعنى أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدّكم استقباحه عن ارتكابه " « 3 » . فقد جمع المفسر هنا ثلاثة أهداف : التبكيت ، والوعيد ، والتوبيخ . وتبدّت هذه الأهداف في النّص وخاصّة في الفاصلة التي اشتملت على الاستفهام الاستنكاري متعلّقا بالعقل .
هامش
( 1 ) الكشّاف ، 1 / 42 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 46 ) .
( 3 ) الكشاف ، 1 / 33 .