كان الأول أقرب حتّى تكون القصّة قصّة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق من كل الوجوه " . وتأمل هذه الألفاظ ( أليق ) ( نظام الكلام ) ( قصّة واحدة ) وما تدلّ عليه من ضرورة الاتّساق بين النصّ والمخاطب .
وهذا الاتّساق في الخطاب من خلال دور المخاطب يتبدّى في إيجاد علاقة بين أجزاء الخطاب المترامية لتقوية تحديد هذا المخاطب ؛ ففي تفسير الآية "
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ "
يختلفون في المخاطب على ثلاثة أوجه أحدها : أنّه من تقدّم من بني إسرائيل ، وثانيها أنّه خطاب لمن كان في عصر النّبي من اليهود ، وثالثها أنّ المقصود بهم من تقدّم بالقول عنهم " وأنتم معرضون " ومن تأخّر . أمّا وجه القول الأوّل أنّه إذا كان الكلام الأوّل في المتقدّمين منهم ، فظاهر الخطاب يقتضي أنّ آخره فيهم أيضا إلّا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر ، يبيّن ذلك أنّه تعالى ساق الكلام الأوّل سياقة إظهار النعم بإقامة الحجج عليهم ، ثمّ بيّن من بعد أنّهم تولّوا إلّا قليلا منهم فإنّهم بقوا على ما دخلوا فيه " ، ووجه القول الثاني إنّ قوله " ثمّ توليتم " خطاب مشافهة وهو بالحاضرين أليق " « 1 » . وهذا معناه اتّساق لغة الخطاب مع المخاطب متجلّيا في الضمائر .
وعموم الخطاب أو خصوصه مظهر لغوي آخر من مظاهر علاقة النصّ بالمخاطب . وانظر هذا الاستحضار لمجموعة المخاطبين المحتملين من خلال السياق في تفسير الآية ( 136 ) من سورة البقرة أن قوله تعالى :
" قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ "
" يتناول جميع المكلّفين النبيّ وأمتّه والدليل عليه وجهان : أحدهما ، أنّ قوله " قولوا " خطاب عام يتناول الكلّ ، والثاني أنّ قوله " وما أنزل إلينا " لا يليق إلّا به - صلّى اللّه عليه وسلّم - فلا أقلّ من أن يكون هو داخلا فيه ، واحتجّ الحسن على قوله بوجهين : الأوّل أنه عليه السلام أمر من قبل بقوله
" قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ "
والثاني أنّه في نهاية الشرف ، والظاهر إفراده بالخطاب " « 2 » . إنّ
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 159 .
( 2 ) نفسه ، 4 / 83 .