المشافهة مع المعدوم لا يجوز ، وأيضا فالذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في تلك الحالة " « 1 » .
ومن أمثلته كذلك اختلاف المفسّرين في المخاطبين بقوله :
" قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً . . . "
بعد الاتفاق على أنّ آدم وحوّاء عليهما السلام كانا مخاطبين به ، وذكروا فيه وجوها : الأول وهو قول الأكثرين أنّ إبليس داخل فيه أيضا ، قالوا لأنّ إبليس قد جرى ذكره في قوله :
" فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها "
أي " فأزلّهما وقلنا لهم اهبطوا " ( وهنا يبرز الاستئناس في السياق اللغوي الداخلي في تحديد المخاطب ) وقالوا المراد ب ( اهبطوا ) آدم وحواء وذريتهما " لأنّهما لمّا كانا أصل الإنس جعلا كأنّهما الإنس كلّهم " . والدليل عليه قوله
" اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ . . . "
وهذا حكم يعمّ الناس كلّهم ومعنى " بعضكم لبعض عدو . . . ما عليه الناس من التعادي والتباغض ، وتضليل بعضهم لبعض ، واعلم أنّ هذا القول ضعيف ، لأنّ الذريّة ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب ؟ « 2 » " .
إنّ لدينا عمليتين متداخلتين هما تحديد المخاطب من خلال السياق اللغوي ، أو الاستناد إلى الواقع الخارجي للمخاطب في ترجيح قراءة واستبعاد أخرى . وفي كلّ الحالات بالاستعانة بلغة النصّ . إذ هي تشكّل القاسم المشترك في العمليتين وإذا جاء لفظ المخاطب بصيغة العموم فإنّ المفسّر يسارع بتخصيصه إذا ما وجد في النّص ما يعينه على ذلك ، قال المفسّر : " فقوله " يا بني إسرائيل " خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة المنوّرة من ولد يعقوب عليه السلام في أيّام محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - " « 3 » . فالمفسّر يجهد في جمع أدلة من النصّ ليحدد المخاطب ، وإذا حدّده سارع ليقرأ النصّ قراءة جديدة في ضوء المخاطب .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 84 .
( 2 ) نفسه ، 3 / 17 .
( 3 ) نفسه ، 3 / 29 .