تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
أما عن أثر طبيعة المخاطب ومن هو ، ووضعه ، وأحواله داخل النّص فيمكن أن نرصد عددا من الآثار ذكرها المفسّرون ، ومنها تنوّع الجمل بين الخبر والإنشاء ، وبين أضرب الخبر هل هو مؤكّد أم غير ذلك . وكما أوضحه الرازي في قوله تعالى
" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا "
كما مرّ معنا . وانظر كيف ساهمت حال المخاطبين في جعل الجملتين في الآية الكريمة "
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا . . .
" « 1 » مصدّرتين بالحرف ( أمّا ) قال المفسّر : " إيراد الجملتين مصدّرتين ب ( أما ) إحماد عظيم لأمر المؤمنين ، واعتداد بعلمهم أنّه الحق ، وذم عظيم للكافرين على ما قالوه وذكروه " « 2 » . وفيه أيضا ربط بغرض الخطاب . ويربط الرازي بين حال المخاطب وحدوث العطف في النص ففي تفسيره للآية
" وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ . . . "
قال : " اعلم أنّ المخاطبين بقوله
( وَآمِنُوا )
هم بنو إسرائيل ، ويدلّ عليه وجهان : الأوّل أنّه معطوف على قوله
" اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ "
والثاني أن قوله
" مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ "
يدل على ذلك " « 3 » . ويتبدّى هذا الأثر أيضا في الضمائر وزمن الخطاب ففي قوله تعالى :
" وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ . . . . "
اختلفوا في ذلك الفريق ، منهم من قال : " المراد بالفريق من كان في أيّام موسى عليه السلام لأنّه تعالى وصف هذا الفريق بأنّهم يسمعون كلام اللّه والذين سمعوا كلام اللّه هم أهل الميقات ، ومنهم من قال بل المراد بالفريق من كان في زمن محمّد عليه الصلاة والسلام ، وهذا أقرب لأنّ الضمير في قوله تعالى :
" وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ "
راجع إلى ما تقدّم وهم الذين عناهم اللّه بقوله
" أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ
" ، وقد بيّنا أنّ الذين تعلّق الطمع بإيمانهم هم الذين كانوا في زمن محمد " « 4 » . واتّساق زمن الخطاب أيضا يتبدّى في تفسيرهم للآية "
أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ
" . قال
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 26 ) . ( 2 ) تفسير الرازي ، 3 / 11 . ( 3 ) نفسه ، 3 / 40 . ( 4 ) نفسه ، 3 / 134 .