تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
ويؤدّي الحذف دورا مهمّا في صنع التناسب في النصّ القرآني ، ومنه قوله تعالى :
" كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ "
قال الرازي " فيه حذف . والمعنى فقلنا لهم أو قال لهم موسى كلوا واشربوا وإنّما قال كلوا لوجهين : أحدهما لما تقدم من ذكر المنّ والسلوى فكأنّه قال : كلوا من المن والسلوى الذي رزقكم اللّه بلا تعب ولا نصب ، واشربوا من هذا الماء . والثاني : أنّ الأغذية لا تكون إلّا بالماء ، فلمّا أعطاهم الماء فكأنه تعالى أعطاهم المأكول والمشروب " « 1 » . فالحذف علامة داخل النّص ، تحيل إلى معلومات سابقة ، فالعنصر المحذوف موجود في جزء سابق من النّص أو موجود في معرفة القارئ وذهنه أو موجود في سياق المقام ( السياق الخارجي ) ، أو موجود في سياق الثقافة وفي كلّ الحالات حين يحدث الحذف فإنّ الجزء المحذوف مفهوم ضمنا للقارئ ، وذكره مرّة أخرى يخلخل الاتساق ، ومن هنا اعتبر الحذف أحد الروابط في اتّساق الخطاب . ومن أمثلة الحذف كذلك ما جاء به الطبري في تفسيره للآية ( 17 ) يقول : " فإن قال لنا قائل : إنّك ذكرت أنّ معنى قول اللّه تعالى "
كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ
" خمدت وانطفأت وليس ذلك بموجود في القرآن فما دلالتك على أنّ ذلك معناه ؟ قيل : قد قلنا إنّ من شأن العرب الإيجاز والاختصار إذا كان فيما نطقت به الدلالة الكافية على ما حذفت وتركت " « 2 » . إنه السياق يترك بعض الفراغات ولكنّها تكون مملوءة بالنسبة للقارئ ، فالمقال يكمل بعضه بعضا ، وهو ما يعبّر عنه في علم الدلالة بالسياق الضمني . ومن أمثلته كذلك ما نجده عند أبي جعفر الطوسي في تفسيره للآية
" وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ "
قال : قوله
" وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ "
« 3 » . وإن لم يكن في ظاهره أنّه أغرق فرعون فهو دالّ عليه ، وكأنه قال : " وأغرقنا آل فرعون وهو معهم وأنتم تنظرون " فاختصر لدلالة
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 97 . ( 2 ) نفسه ، 3 / 267 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 50 ) .