تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
معنويّتين : أولاهما تعضيد التحديد الذي ابتدأت به الآيتان ( 23 ) و ( 24 ) ، والثانية جواب عن طعن الكافرين في القرآن ، وبهذا المعنى ترتبط الآية بالسابقات إذ إنّها معضّدة لمعناها . ومن خلال الأمثلة السالفة يتّضح أنّ المفسّرين يبحثون في المناسبة بين آية وآية حين يبدو للقارئ أنّ العلاقة بين السابقة وبين اللاحقة منقطعة ، ممّا يستوجب تبرير موقع الآية من سالفاتها ، ولأجل ذلك يلجئون تارة إلى أسباب النزول ، وأخرى إلى شرح مطوّل بخلاف ما يفعلون حين تكون العلاقة متجلّية في سطح الخطاب ، أو ثاوية في عمقه ، على أنّ المناسبة لا تعني آليّا البحث عن العلاقة في المقام ، وإنّما قد تستعمل ويقصد بها مجرّد العلاقة بين آيتين ( الاتّساق الداخلي ) دونما استنجاد بالمقام دائما . ومن ألوان التناسب الأخرى التي يشيرون إليها المناسبة بين المقام وأسلوب الخطاب ، ففي تأويل الرازي لمجيء النهي في الآية الكريمة
( وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ )
قال : " بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد والإنكار ممّن قرأ في الكتب نعت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - وصفته « 1 » . واستخدام أسلوب النهي هنا قد اقترن بالهدف أو الغرض من الخطاب وهو ( الاستعظام ) ، وهو مبني على حوادث المقام وظروفه ، وهو كون أولئك المخاطبين قد اطّلعوا على صفة النبيّ في كتبهم فلا ينبغي لهم أن يجحدوها ، فضلا عن أن يكونوا أوّل كافر بها . ومن أمثلة الأسلوب كذلك ما جاء في تفسير الآية
" وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً "
عند الرازي قال : " يقال لم خوطبوا ب ( قولوا ) بعد الإخبار ؟ والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها أنه على طريقة الالتفات ، وثانيها فيها حذف أي : قلنا لهم قولوا ، وثالثها : الميثاق لا يكون إلّا كلاما كأنه قيل : قلت لا تعبدوا وقولوا « 2 » . إنّ تأويل أسلوب الأمر بحدوث الالتفات ، فيه التفات إلى القارئ ، وهو من عناصر المقام الخارجيّ ، وتأويله بحدوث الحذف فيه نظر إلى مستوى الدلالة والتركيب ، وأمّا التأويل الثالث فمرتبط بالواقعة الخارجيّة تماما .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 125 . ( 2 ) نفسه ، 3 / 167 .