تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
ومن أمثلة المناسبة بين الأسلوب والمقام ما نراه عند ابن قيم الجوزية في ( بدائع التفسير ) في تفسيره للآية
" أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ . . . "
قال : " وقوله تعالى :
" أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ "
أخرجه مخرج الاستفهام الاستنكاري ، وهو أبلغ من النفي والنهي وألطف موقعا كما ترى غيرك يفعل فعلا قبيحا فتقول له : لا يفعل هذا عاقل ، أيفعل هذا من يخاف اللّه والدار الآخرة ؟ " « 1 » فالموقع ( السياق ) هو الذي يجعل أسلوب الاستفهام الاستنكاري أنسب من غيره من الأساليب في هذه الآية ، ثمّ نلاحظ مقارنة هذا السياق مع خطابات الناس ؛ ثمّ السؤال عمّا يفترض أن يقال في خطاباتهم في سياق ممايل ، ليعضّد أنّ الآية جاءت لتخاطب الناس في مثل ما اعتادوا في ظروف مشابهة . وأمّا تناسب النصّ ( الآية ) مع المقام ، ويقصد به المفسرون مقام الخطاب أو مقتضى حال الخطاب ، فأمثلته كثيرة . فإضافة إلى الأمثلة التي ذكرت سابقا ما نراه عند ابن كثير في تفسيره للآية ( 33 )
" وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها "
يقول : " هذا مقام ذكر اللّه تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصّه من علم أسماء كل شيء دونهم ، وهذا كان بعد سجودهم له ، وإنّما قدّم هذا الفصل على ذلك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليقة حين سألوا عن ذلك ، فأخبرهم تعالى بأنّه يعلم ما لا يعلمون ، ولهذا ذكر اللّه هذا المقام عقيب هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليقة حين سألوا عن ذلك فأخبرهم تعالى بأنّه يعلم ما لا يعلمون ، ولهذا ذكر اللّه هذا المقام عقيب هذا ، ليبيّن لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم فقال تعالى :
" وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها "
« 2 » . وفي البحر المحيط لأبي حيّان في تفسيره للآيات من ( 11 - 16 ) ما يمكن أن يكون مثلا مناسبا هنا يقول : " وفي مقابلة استهزائهم بالمؤمنين باستهزاء اللّه بهم ما يدلّ على عظم شأن المؤمنين وعلوّ منزلتهم ، وليعلم المنافقون أنّ اللّه هو الذي يذبّ عنهم ويحارب من حاربهم ، وفي افتتاح الجملة باسم اللّه التفخيم العظيم ، حيث صدّرت الجملة به ،
هامش
( 1 ) ابن قيم الجوزية ، بدائع التفسير ، 1 / 425 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ، 1 / 63 .