تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
مرحلة أخرى متقدّمة قليلا أوجبت تغير الفعل ، ولأنّ ( البقرة ) تأتي قبل الأعراف فقد اختصت بالفعل الذي يأتي أولا . وأما قوله في البقرة ( رغدا ) وحذفه في الأعراف ، فقد ذكر الرازي إضافة لما سبق أن ذكرناه من قول الفيروزآبادي " لأنّه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنعام الأعظم وهو أن يأكلوا رغدا ، وفي الأعراف لمّا لم يسند الفعل إلى نفسه لم يذكر الإنعام الأعظم فيه " « 1 » . ففي الأعراف جاءت الصيغة
" وَإِذْ قِيلَ
" مبنيّة للمجهول أمّا في البقرة فقد جاء الخطاب مباشرا من اللّه فاقتضى زيادة هذا الإنعام العظيم ( كلوا رغدا ) لمناسبته للمخاطب سبحانه . وقد يكون التغير في بنية الخطاب لإحداث التناسب مع السياق اللغوي العام الذي ورد فيه ، ومنه في هذه السورة
" فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا "
وفي الأعراف
" فَأَرْسَلْنا "
" لأنّ لفظ الرسول والرسالة كثرت في الأعراف فجاء ذلك على طبق ما قبله ، وليس كذلك في سورة البقرة " « 2 » . ومن ناحية أخرى فقد قال تعالى في سورة البقرة : "
الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا "
« 3 » . وفي الأعراف
( ظَلَمُوا مِنْهُمْ ) "
موافقة لقوله
" وَمِنْ قَوْمِ مُوسى "
ولقوله "
مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ "
« 4 » . إنّ قوله
" أَرْسَلْنا "
فيه تأكيد على الاتساق الداخلي بين أجزاء النصّ القرآني كلّه ، فإذا كان الحديث عن الرسالة شائع في ثنايا سورة الأعراف كلّها كان من الاتّساق الموضوعي أن يقول في هذه الآية
" فَأَرْسَلْنا "
، ولما ابتدأت سورة البقرة بالحديث عن التنزيل وافق هنا قوله
" فَأَنْزَلْنا "
. ومن ناحية أخرى فإنّ سورة الأعراف فيها ( منهم ) وهو حرف تبعيض هنا لأنّ قوم موسى فيهم الظالمون وفيهم الصالحون ، كما أوردت السورة نفسها ، ولمّا لم يرد مثل هذا التبعيض في الفقرة فلم يقترن الفعل ( ظلموا ) ب
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 93 . ( 2 ) الفيروزآبادي ، بصائر ذوي التمييز ، 1 / 143 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 59 ) . ( 4 ) الفيروزآبادي ، بصائر ذوي التمييز ، 1 / 143 .