وجعل الخبر فعلا مضارعا يدلّ عندهم على التجدّد والتكرّر ، فهو أبلغ في النسبة من الاستهزاء المخبر به في قولهم ، ثمّ في ذلك التنصيص على الذين يستهزئ اللّه بهم إذ عدّى الفعل إليهم فقال :
" يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ "
وهم لم ينصّوا حين نسبوا الاستهزاء إليهم على من تعلّق به الاستهزاء ، فلم يقولوا إنّما نحن مستهزءون ، وذلك لتحرّجهم من إبلاغ ذلك للمؤمنين فينقمون ذلك عليهم ، فأبقوا اللفظ محتملا ، أن لو حوكموا على ذلك لكان لهم مجال في الذبّ عنهم أنّهم لم يستهزءوا بالمؤمنين . ألا ترى إلى مداراتهم عن أنفسهم بقولهم
" آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ "
« 1 » . وهنا يبرز أكثر من عنصر على أكثر من مستوى ؛ فاختيار طريقة صياغة النّص تتّصل بالمستوى التداولي " عظم شأن المؤمنين وعلوّ منزلتهم " ، و " التفخيم العظيم " " التحرّج " ويتّصل بالغرض وهو التأثير ، ثم الارتباط التام بالموقف الذي دار في السياق الخارجي من حيث أنّ الإدراكات والعواطف والأفكار التي كانت تحتمل في نفوس المخاطبين تبدّت في النصّ ، من خلال أسلوب المقابلة والافتتاح واستخدام الفعل المضارع ، أي تبدّت في أثر واضح على المستوى السطحي للخطاب .
ومن صور التناسب كذلك ما يتّصل بتركيب الجملة وانظر إلى إشارة الرازي إلى هذا في تفسيره للآية "
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
" قال : " وأمّا كلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها ، ففيها فائدتان : الأولى :
معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه ، والثانية : وقوعها عوضا مما يستحقّه أي من الإضافة وإنّما كثر في كتاب اللّه النداء على هذه الطريقة لاستقلاله بهذه التأكيدات والمبالغات ، فإنّ كل ما نادى اللّه تعالى به عباده من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد ، واقتصاص أخبار المتقدّمين بأمور عظام ، وأشياء يجب على المستمعين أن يتيقّظوا لها مع أنّهم غافلون عنها ، فلذا وجب أن ينادوا بالأبلغ الآكد " « 2 » . وهنا يبرز دور السامع أو القارئ بوضوح داخل التراكيب والأساليب في النصّ . وكل ذلك مرتبط كذلك بهدف النّص وهو هنا التأكيد والتنبيه .
هامش
( 1 ) أبو حيان الأندلسي : محمد بن يوسف ، البحر المحيط في التفسير ، بعناية الشيخ عرفات العشا حسونة ، ط 3 ، دار الفكر للنشر والتوزيع ، بيروت / لبنان ، 1992 ، 1 / 115 .
( 2 ) تفسير الرازي ، 3 / 267 .