وقد تأتي الفاصلة لتأكيد مضمون الآية أو تثبيتها أو مطابقتها ، كما في سؤال الرازي عن تعلّق قوله :
" إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ "
بقوله : " إنّا معكم " والجواب " هو توكيد له .
لأنّ قوله : " إنّا معكم " معناه الثبات على الكفر وقوله : " إنّما نحن مستهزءون " ردّ للإسلام ، وردّ نقيض الشيء ، تأكيد لثباته ، أو بدل منه ، لأنّ من حقّر الإسلام فقد عظّم الكفر . « 1 » وفي موضع آخر : " هل قيل " إنّ اللّه مستهزئ بهم " ليكون مطابقا لقوله : " إنّما نحن مستهزءون " ؟ الجواب " لأنّ ( يستهزئ ) يفيد حدوث الاستهزاء وتجدّده وقتا بعد وقت وهذه كانت نكايات اللّه فيهم " أولا يرون أنّهم يفتنون في كلّ . . . " « 2 » .
ومن المناسبة بين المضمون الآية والفاصلة كذلك ما يشبه أن يكون السبب أو النتيجة ، ومن أمثلته الآية الكريمة
" وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ
" « 3 » . قال الرازي : " ذكروا في وجه تعلّق هذين الاسمين بما قبلهما وجهين أحدهما : أنّه تعالى لمّا أخبر أنّه لا يضيع إيمانهم قال :
" إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ "
والرؤوف الرحيم كيف يتصور منه هذه الإضاعة ، وثانيهما : إنّه لرءوف رحيم فلذلك ينقلكم من شرع إلى شرع آخر وهو أصلح لكم " « 4 » .
والفاصلة دورها أساسي في إحداث الاتساق ، فهي من جهة مرتبطة مضمونيّا ومنطقيّا بالآية الكريمة ، وهي من جهة أخرى آخر جزء يلقاه القارئ من الآية ؛ ولذا فدورها أساسي في تأكيد مضمون الآية ، أو مطابقتها أو اختزالها ؛ ولذلك فهي عنصر هام في صنع الاتساق الداخلي للخطاب . يقول الرازي في إحدى الفواصل التي تنتهي بقوله ( عليم ) : " وأمّا قوله " عليم " فالمعنى أنّه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه ، لأنه تعالى عالم بقدره ، وعالم بما يزيد عليه من التفضل ، وهو أليق بالكلام ليكون لقوله تعالى
هامش
( 1 ) بصائر ذوي التمييز ، 1 / 151 .
( 2 ) تفسير الرازي ، 3 / 69 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 143 ) .
( 4 ) تفسير الرازي ، 3 / 71 .