تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
في الأول مفعول التفكّر وهو قوله :
( فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ )
حذفه ممّا بعده للعلم « 1 » . ويرتبط هنا التناسب بالمستوى التداولي وهو العلم المسبق لدى المخاطب . ومن ألوان التناسب الأخرى ما يعرف بالمجاورة ، وهذه المجاورة تأخذ أشكالا عديدة ، وقد يكون ما ذكرناه آنفا صورا من هذه المجاورة ، ونقصد به هنا تجاور الألفاظ وتناسبها وتجاور الجمل وتناسبها ، وتجاور الآيات وتناسبها . ومن ذلك ما ذكره الرازي في تفسيره للآية
( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . )
« 2 » . قال : ( اعلم أنّه سبحانه وتعالى لمّا تكلّم في التوحيد والنبوّة تكلم بعدهما في المعاد ، وبيّن عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة اللّه تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد . . ) « 3 » . إنّ التضادّ هنا بين الوعد والوعيد لا يمنع من حدوث الاتّساق ، بل إنّه الوسيلة التي حدث بها الاتساق فالشيء لا يظهر إلّا بضدّه . وهذا من صور التجاور داخل الآية الواحدة . ومنه أيضا قول الرازي : ( إنّما أردف عبادة اللّه بالإحسان إلى الوالدين لوجوه : أحدها أنّ نعمة اللّه تعالى على العبد أعظم النعم فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة اللّه فنعمة الوالدين أعم النعم ، وذلك لأن الوالدين هما الأصل ، والسبب في كون الولد ووجوده كما أنّهما منعمان عليه بالتربية « 4 » . وهو أيضا من تجاور الجمل داخل الآية الواحدة . وهو تجاور مبنيّ على الحقيقة الخارجية ، وهي أنّ هذه النعم أعظم النعم على العبد فجاز تجاورها في السياق اللّغوي . ومن أمثلته في تفسير الألوسي للآية ( 6 ) قال :
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا )
كلام مستأنف يتميّز به حال الكفرة المردة العتاة سيق إثر بيان بديع أحوال أضدادهم المتّصفين بنعوت الكمال الفائزين بمطالبهم في الحال والكمال ، ولم يعطف على سابقه لأنّ المقصود من ذلك بيان اتّصاف الكتاب بغاية الكمال في الهداية
هامش
( 1 ) الفيروزآبادي . بصائر ذوي التمييز ، 12 / 153 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 25 ) . ( 3 ) تفسير الرازي ، 3 / 123 . ( 4 ) نفسه ، 3 / 123 .