تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
الدراسة ، وإن كان الهدف منه هنا لا يبرز على المستوى الدلالي ، وإنّما على المستوى التنظيمي للخطاب إن جاز التعبير - وتمثّل هذا المستوى بإحداث الاختصار في بناء الآية . ومن المناسبة في اختيار الألفاظ كذلك قوله :
" إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً "
قال الرازي : " وثبت أنّ الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة ، ومن ثم وجب حمل اللفظ هاهنا عليه ، لأنّ اللّه تعالى ذكر لفظ الإمام هاهنا في معرض الامتنان ، فلا بد أن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبته فوجب حمل هذه الإمامة على النبوة " « 1 » . وهنا يبرز التناسب على المستوى المقامي والدلالي ، إذ ارتبط باتّساق دلالة النّص مع السياق ( في معرض الامتنان ) وهو سياق الامتنان ، وعلى المستوى الدلالي باعتبار النبوّة أعلى مراتب الإمامة . ومن أمثلته كذلك قوله تعالى : ( واعدنا ) في الآية ( 52 ) ومناسبتها كما يذكر الرازي من وجوه : أحدها أنّ الوعد وإن كان من اللّه فقبوله كان من موسى ، وقبول الوعد يشبه الوعد ، وثانيها لا يبعد أن يكون الآدمي بعد اللّه ويكون معناه يعاهد اللّه . وثالثها أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا ، ورابعها أنّ اللّه تعالى وعده الوحي وهو وعد اللّه المجيء للميقات إلى الطور " « 2 » . إنّ هذا التناسب يتبدّى في عدد من المستويات ، أولها على المستوى الصرفي وهو استخدام واعدنا بدلا من وعدنا واتّساق ذلك مع المعنى الصرفي للصيغة " فاعل " بدلا من " فعل " ، وهذا الاتّساق مبنيّ على المستوى الثاني من الاتّساق وهو المستوى المقامي ( الواقع والعالم المحيط ) فالمواعدة جرت بين طرفين ( اللّه وموسى ) ، والثالث المستوى الاستبدالي ، وهو استخدام الوعد بمعنى العهد . وتتآلف هذه المستويات أو تتبادل ، وفي كل الحالات يتحصل الاتساق . ومن أمثلة هذا التناسب قوله : ( لعلّكم تتفكّرون في الدنيا والآخرة ) في الآيتين ( 219 ) و ( 220 ) وفي آخر السورة
( لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ )
في الآية ( 266 ) . قيل : " لأنّه لما بيّن
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 73 . ( 2 ) نفسه ، 3 / 73 .