تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
سخف العقل ، وهذا من التوبيخ " « 1 » . إنّ الفاصلة جزء من النّص ( الآية ) ويجب أن تتّسق مع محتوى الآية ، ولكن ما لاحظناه في المثال السابق أنّ الزمخشري حاول أن يوضح هذا الاتّساق بعناصر من خارج النّص ( عناصر غير لغويّة ) أي عناصر مقامية . وأمّا الرازي فقد شغل نفسه بتتبّع الفواصل منذ الآيات الأولى ، واهتمّ كثيرا بالتناسب بين الفاصلة القرآنيّة ومضمون الآية ، ومن أمثلة الآية والفاصلة " هدى للمتقين " ويوضّح ذلك بأنّه ذكر المتقين مدحا ليبيّن أنّهم هم الذين اهتدوا وانتفعوا به " « 2 » . وحين يقف عند الآية
" أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "
قال : " في كيفيّة تعلّق هذه الآية ، بما قبلها وجوه ثلاثة : أن ينوي الابتداء بالذين يؤمنون بالغيب ، وذلك لأنّه كما قيل ( هدى للمتّقين ) كان لسائل أن يسأل : ما السبب في اختصاص المتّقين بذلك ؟ فوقع قوله
" الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ "
إلى قوله
" وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "
وثانيهما أن لا ينوي الابتداء به بل يجعله تابعا للمتقين ثم يقع الابتداء من قوله " أولئك على هدى من ربّهم كأنّه قيل : أيّ سبب في أن صار الموصوفون بهذه الصفات مختصّين بالهدى ؟ فأجيب بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا ، وبالفلاح آجلا وثالثهما أن يجعل الموصول الأول صفة المتّقين . ويرفع الثاني على الابتداء ، وأولئك خبر ، ويكون المراد جعل اختصاصهم بالفلاح والهدى تعريضا بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوّة محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهم ظانون أنّهم على الهدى ، وطامعون أنهم ينالون الفلاح عند اللّه تعالى " « 3 » . وهنا نخرج بالملاحظات التالية : الأولى : أنّ الفاصلة تتّصل دلاليّا بمضمون الآية ، وفي مثالنا العلاقة الدلالية التي تربط بين الفاصلة والآية هي علاقة التخصيص ، والثانية أن الفاصلة قد تكون أداة دلاليّة رابطة بين آيتين كما في مثالنا أعلاه ، وقد يكون الرابط نحويا أي أن تربط علاقة على مستوى التركيب بين الآية والفاصلة التي
هامش
( 1 ) الكشاف ، 1 / 96 . ( 2 ) تفسير الرازي ، 3 / 21 . ( 3 ) نفسه ، 3 / 73 .
الخطاب القرآني — صفحة 279 | خلود العموش