تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
واحدا ، فيراد بالوحدة نفي التبدّل والاختلاف ، ويجوز أن يريدوا أنّها ضرب واحد لأنّهما معا من طعام أهل التلذّذ والترف ، ونحن قوم فلاحة فما نريد إلّا ما ألفناه وضربنا به من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول وغير ذلك . « 1 » إنّ أحوال أولئك القوم وطبيعة معاشهم قبل الإنعام عليهم بالمنّ والسلوى ، وبعد الإنعام عليهم يفسّر العلاقة بين الوصف والموصوف ( طعام واحد ) . ومن أشكال الاتساق ، الاتّساق الموضوعي ، فالآية ( 189 ) يتوزّعها موضوعان : حديث عن الأهلّة والحكمة منها ، وحديث عن البرّ ، ورغم بعد ما بين الموضوعين فقد تمّ عطفهما بالواو ممّا يفرض السؤال عن وجه الاتّصال ، ويلجأ الزمخشريّ إلى إجراءين لحلّ هذه المشكلة الإجراء الأول : أن يلجأ إلى أسباب النزول ( المقام ) ويرى أنّ لهذه الآية سببي نزول ، أولهما : سؤال لمعاذ بن جبل وثعلبة بن عنم عن حال الهلال المتغيّرة ، والثاني متعلّق بممارسة ناس من الأنصار أثناء الحج ، وهما معا سببان واردان ، وأمّا الإجراء الثاني فهو البحث عن الاتّساق من داخل النّص يقول : " ويجوز أن يجري ذلك عن طريق الاستطراد لمّا ذكر أنّها مواقيت للحجّ لأنّه من أفعالهم في الحج ، ويحتمل أن يكون هذا تمثيلا لتعكيسهم في سؤالهم ، وأنّ مثلهم فيه كمن يترك باب البيت ويدخله من ظهره . . . ثم قال ( وائتوا البيوت من أبوابها ) أي وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا " « 2 » . ومن ضروب التناسب التي يهتمّ بها المفسّرون الاتّساق بين النصّ والفاصلة القرآنية . ويقف الزمخشري عنده بشكل متكرّر ، خاصّة إذا لم يكن هناك علاقة واضحة بين الآية وفاصلتها ، فمثلا في تفسيره للآية ( 23 ) يسأل ما معنى " وأنتم تعلمون " . ويجيب : " بأنّ أولئك العرب من ساكني الحرم من قريش وكنانة كانوا من التدبير والدهاء والفطنة بمنزلة عالية ، ومع ذلك هم ما هم عليه من جعل الأصنام للّه أندادا ، وهو غاية الجهل ، ونهاية
هامش
( 1 ) الفيروزآبادي ، بصائر ذوي التمييز ، 1 / 155 . ( 2 ) الكشاف ، 1 / 234 .