تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
تسهم في اتساق النّص وذلك بالاستضاءة بالمقام . وهذا يذكرنا بقولة السيوطي عن هذه الحروف والأدوات : " اعلم أنّ معرفة ذلك من المهمّات المطلوبة لاختلاف مواقعها ، ولهذا يختلف الكلام والاستنباط بحسبها " « 1 » . ومن أمثلته كذلك في تفسير الفيروزآبادي للآية ( 23 ) قال : قوله
" فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ "
بزيادة من هنا ، وفي غير هذه السورة بدون ( من ) لأنّ ( من ) للتبعيض ، وهذه السورة سنام القرآن ، وأوّله بعد الفاتحة فحسن دخول ( من ) فيها ليعلم أنّ التحدي واقع على جميع سور القرآن من أوّله إلى آخره " « 2 » . وإذن فليس معنى الأداة فقط هو ما له أهميّة خاصة بل موقع الأداة في النصّ وغرض الخطاب ، هما ما يحدّد دلالة هذا النّص ومراميه . ومنه كذلك قوله " فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف " في الآية ( 234 ) ، وقال في الآية ( 240 ) من السورة نفسها " من معروف " باختلاف حرف الجرّ بين ( الباء ) و ( من ) قيل : " لأنّ تقدير الأوّل ( فيما فعلن في أنفسهن بأمر اللّه وهو المعروف ، والثاني فيما فعلن في أنفسهن من فعل من أفعالهن معروف ) ، أي جاز فعله شرعا " 2 . فاختلاف المقصدية واختلاف التوجيه ناسبهما اختلاف الأداة ، ومنها كذلك قوله تعالى
" وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ "
في الآية ( 271 ) بزيادة ( من ) " موافقة لما بعدها ؛ لأنّ بعدها ثلاث آيات فيها ( من ) على التوالي وهو قوله : " وما تنفقوا من خير ثلاث مرات " 3 . ومناسبة الأداة هنا مرتبط بالاتساق الداخلي للنصّ مباشرة وقد عبّر المفسّر عن معنى المناسبة بقوله ( موافقة ) . وكذلك نظروا في دقّة دلالة الوصف على الموصوف من خلال المقام ، ففي تفسير الآية " لن نصبر على طعام واحد " يرى الزمخشري أنّه أريد بالواحد ما لا يختلف ولا يتبدّل وليس بمعنى ما هو عكس الاثنين ، ويستشهد على ذلك بأنّه لو كان على مائدة الرجل ألوان عدة يداوم عليها كلّ يوم لا يبدّلها ، قيل : لا يأكل فلان إلّا طعاما
هامش
( 1 ) الإتقان ، 1 / 309 . ( 2 ) الفيروزآبادي : مجد الدين محمد بن يعقوب ، ت ( 817 ه ) بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ، ط 1 ، تحقيق الأستاذ محمد علي النجار ، دار الباز للنشر والتوزيع ، مكة المكرمة ، 1974 ، 1 / 26 .