تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
إنّ السياق الخارجي هو الذي يسعف القارئ غالبا في تبيّن انسجام النّص وتماسكه ، ويؤدّي إلى تبيّن الدلالات ، وإذا حصل تناقص بين ( العالم ) أو الواقع وبين النصّ الداخلي ، سارع القارئ إلى إحداث عمليّة تجسير عبر مستوى الدلالة أو المنطق . فحين يفسّر الطبري الآية ( 25 )
" هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ "
يقف أمام التناقض الحاصل من قول أهل الجنّة " من قبل " فمعلوم أنّه محال أن يكون من قيلهم لأوّل رزق رزقوه من ثمار الجنّة " « 1 » . ويختار أنّ هذا القول لبعض ما رزقوا في الجنّة ، وليس في أوّل عهد دخولهم الجنّة . ومثله معالجته للآية ( 49 ) قال : وإنّما جاز أن يقال : " وإذ نجّيناكم من آل فرعون " والخطاب به لمن لم يدرك فرعون ولا المنجين منه ، لأنّ المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجّاهم من فرعون وقومه فأضاف ما كان من نعمة على آبائهم إليهم " « 2 » . إنّ المفسّر يفترض حالة من الانسجام والتوافق بين النصّ والسياق ( الخارجي ) ولكنّه لا يفترض حالة اتّفاق تام ، فالنصّ له آليّاته الخاصّة التي تسمح بها اللغة للتعبير عن العالم ، ولذلك فهو حين يقف على حدوث ما يشبه الاختلاف يسارع إلى العالم الخارجي أو إلى اللّغة ليشرح هذا الاختلاف . ومنه في تفسير الطبري للآية ( 143 ) " فإن قال قائل : وكيف قال اللّه عزّ وجل : " ما كان اللّه ليضيع إيمانكم " فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين ، والقوم المخاطبون بذلك إنّما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلّون نحو بيت المقدس ، وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية قيل " إنّ القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك فإنّهم أيضا كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلّوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة . . فمن شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يغلّبوا المخاطب فيدخل الغائب في الخطاب . . . " « 3 » . ويبقى الواقع مثل النافذة التي يطلّ منها المفسّر ليحكم على الخطاب بالانسجام أو عدمه ، وانظر مثلا تغليب
هامش
( 1 ) تفسير الطبري ، 1 / 144 . ( 2 ) نفسه ، 1 / 202 . ( 3 ) نفسه ، 1 / 418 .
الخطاب القرآني — صفحة 274 | خلود العموش