الموضوع الأول وهو دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد ، ذكر موضوعا منبثقا عنها ، وهو مذاهب المختلفين في مسمّى الإيمان ، ثم في موضوع الإنعام ذكر أنواعه على سبيل الإجمال ، ثم فرّع ذلك ، وشرع في تعديد تلك النعم على سبيل التفصيل ، وربط ذلك بالموضوع الرئيس للقرآن الكريم ، وهو تحصيل الاعتقاد لدى المخاطب ، والدعوة إلى الإيمان يقول : " ومن تأمّل وأنصف علم أنّ هذا هو النهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة وتحصيل الاعتقاد في قلب المستمع " « 1 » .
وحين يفسّر الآية
" وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . "
يسارع إلى ربط ذلك بما قبله يقول : " اعلم أنّه سبحانه وتعالى لما تكلّم في التوحيد والنبوّة تكلّم بعدهما في المعاد ، وبيّن عقاب الكافر وثواب المطيع " « 2 » . وهذا شأنه في كلّ موضوع يظن أنّه منفصل عن الموضوع الرئيس للسورة . يربطه بما قبله ربطا واضحا ممّا لا يدع مجالا للشكّ أنّ الرازي واع تماما إلى أنّ النصّ القرآني من حيث التنظيم يسير وفق موضوعات خطابية ، أي أنّ غياب التنصيص على المفهوم لا يعني عدم توظيفه ، خاصّة إذا أخذنا بعين الاعتبار مدلول ( المقدّمات ) لدى القدماء .
وإذا كان هذا حال الرازي فإن ابن عاشور لا يكاد يخرج عن هذه القاعدة ، فقد قدّم هذا العالم سورة البقرة قائلا : " هذه السورة مترامية أطرافها ، وأساليبها ذات أفنان . . .
ومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين : قسم يثبت سموّ هذا الدين على ما سبقه وعلوّ هديه وأصول تطهيره النفوس ، وقسم يبيّن شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم " « 3 » . فابن عاشور قبل الشروع في التفسير يقدّم السورة على شكل موضوعين عامين جدا تتمحور حولهما ، لكنّه لا يقف عند هذا الحدّ ، بل يشير كلّما دعت الحاجة إلى ذلك ، إلى الموضوعات الصغرى التي تندرج من موضوع عام ، مثال ذلك قوله قبل الشروع في تفسير
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 29 .
( 2 ) نفسه ، 3 / 123 .
( 3 ) التحرير والتنوير ، 1 / 203