والطبري في تفسيره للآية ( 93 ) من سورة البقرة
" وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ، وَاسْمَعُوا . قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا "
. يشير إلى مصطلح " اتّصال الخطاب " يقول : " وأمّا قوله " قالوا سمعنا " فإنّ الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب ، بعد أن كان الابتداء بالخطاب ، فإنّ ذلك كما وصفنا من أنّ ابتداء الكلام إذا كان حكاية فالعرب تخاطب فيه ، ثم تعود فيه إلى الخبر عن الغائب ، وتخبر عن الغائب ثم تخاطب ، فكذلك ذلك في هذه الآية . . . " « 1 » . وهو ما أشار إليه ( جون لاينز ) في كتابه ( اللّغة والمعنى والسياق ) حين تحدّث عن اتصال الخطاب وانقطاعه ، وأنّه يمكن أن يكون متّصلا حتى لو دخلته جمل قد تبدو خارجة عن النصّ ، وأن أمر التئام هذا النسق من الجمل في الخطاب إنّما يكمن في السياق « 2 » .
ويجمع بين المفسّرين جميعا استحضار المخاطب دائما في شرح هذا الخطاب بكل أبعاده ، واختلاف دلالة النصّ باختلاف المخاطب ، ولعلّ الطبري قد بيّن هذا تماما وبشكل واضح ، حين وضّح طبيعة القرآن وكونه رسالة لغوية من الخالق عز وجل إلى المخاطبين ، وتناسب الخطاب مع أولئك المخاطبين على اختلاف أنواعهم ، يقول في مقدمة تفسيره :
" كان معلوما أنّ أبين البيان بيانه ، وأفضل الكلام كلامه و . . . فإن كان كذلك وكان غير مبين منّا عن نفسه من خاطب غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب ، كان معلوما أنّه غير جائز أن يخاطب جلّ ذكره أحدا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطب ، ولا يرسل إلى أحد منهم رسولا برسالة إلّا بلسان وبيان يفهمه المرسل إليه " « 3 » . إنّ قوله " بما يفهمه المخاطب " تلخّص كلّ المعادلة ، ففهم المخاطب مبنيّ على ثقافته وثقافة عصره ، وهذا يبرز سياق الثقافة الذي نزل فيه النصّ ، كما أنّ فهم المخاطب يستلزم استخدام المخاطب لأدوات توصيل مناسبة عبر قناة اللّغة ، وهنا تبرز مشروعيّة النظر في لغة النصّ لتبيّن حال المخاطبين أو العكس ، أي النظر في أحوال المخاطبين للحصول على صورة أوضح للنصّ . وينتقل الطبري بعد
هامش
( 1 ) تفسير الطبري ، 1 / 299 .
( 2 ) انظر ، جون لاينز ، اللغة والمعنى والسياق ، ص 91 .
( 3 ) تفسير الطبري ، 1 / 5 .