تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
" اعلم أنّه تعالى لمّا عدّد وجوه إنعامه عليهم أوّلا ، ختم ذلك بشرح بعض ما وجّه إليهم من التشديدات ، وهذا النوع الأوّل « 1 » ( الوارد في الآية 66 ) . فإذا نظرنا إلى الآيات التي تقدّمت الآية ( 66 ) وجدنا انها تتمحور حول إنعاماته تعالى على بني إسرائيل ، بينما الآية ( 66 ) والتي تليها مرتكزة على تشديدات منه تعالى عليهم أوجبها عصيانهم . وقبل هذا الموضع نجده يذكر تحت عنوان : " سرّ ترتيب الآيات الأربع الأولى يقول : " بيانه أنّه نبّه أوّلا على أنّه الكلام المتحدّى به ، ثم أشير إليه بأنّه الكتاب المنعوت بغاية الكمال ، فكان تقريرا لجهة التحدّي ، ثم نفى عنه أن يتشبّث به طرف من الريب ، فكان شهادة بكماله ، ثم أخبر عنه بأنّه هدى للمتقين ، فقرّر بذلك كونه يقينا لا يحوم الشك حوله ، ثم لم يخل كلّ واحدة من هذه الأربع بعد أن رتبت هذا الترتيب الأنيق من نكتة ؛ ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه . وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة ، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف ، وفي الرابعة الحذف . ووضع المصدر - الذي هو هدى - موضع الوصف الذي هو هاد ، وإيراده منكّرا " « 2 » . إن هذا النص يكشف عن عناية المفسّرين بترابط الخطاب موضوعيّا ، والنظر في آلية هذا الترابط ، ومنها الترتيب ، وانظر إلى عبارة الرازي " الترتيب الأنيق " وتنظيم الخطاب تنظيما منطقيا مقبولا مستحبا " بألطف وجه " . ونجد هذه العناية كذلك في تقسيم الرازي لموضوعات سورة البقرة حين يقول : " اعلم أنّه سبحانه وتعالى لمّا أقام دلائل التوحيد و . . . . . . ثم عقّبها بذكر الإنعامات العامّة لكلّ البشر ، ثم عقّبها بذكر الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود كسرا لعنادهم ، ولجاجهم بتذكير النعم السالفة ، واستمالة لقلوبهم بسببها وتنبيها على ما يدلّ . . . وذكّرهم تلك النعم أولا على سبيل الإجمال . . . وفرّع على تذكيرها الأمر بالإيمان ، ثم عقبها بذكر الأمور التي تمنعهم عن الإيمان به . ثم ذكّرهم تلك النعم على سبيل الإجمال ثانيا ، تنبيها على شدّة غفلتهم ، ثمّ أردف هذا التذكير بالترغيب البالغ بقوله :
" وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 30 . ( 2 ) نفسه ، 3 / 22 .