هذه العبارات إلى توضيح دور الخطاب وأثره وهدفه فيقول : " لأنّ المخاطب والمرسل إليه إن لم يفهم ما خوطب به ، وأرسل به إليه فحاله قبل الخطاب ، وقبل مجيء الرسالة إليه وبعده سواء إذ لم يفده الخطاب والرسالة شيئا ، كان به قبل ذلك جاهلا ، واللّه جلّ ذكره يتعالى أن يخاطب خطابا أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن خوطب أو أرسلت إليه ، لأنّ ذلك فيه من فعل أهل النقص والعبث واللّه تعالى عن ذلك متعال " « 1 » .
وليس هناك أوضح من هذا الكلام يدلّ على تمثل المفسّر للوظيفة التواصليّة للخطاب ، والعناصر التي تتحقّق من خلالها هذه الوظيفة . إنّ النص السابق يفترض نقلة يحدثها الخطاب في حياة المخاطبين ، وعبّر عن هذه النقلة بقوله " فائدة " وهذا يشير إلى علاقة النص بالواقع قبل تشكّله ( النصّ ) وبعد تشكّله ؛ قبل تشكّله حين يأخذ في الحسبان أحوال هذا المخاطب وفهمه وثقافته ، فيصاغ النصّ وفقا لهذا كله ، وبعد تشكله حين يحدث أثرا في الحياة وفي الثقافة وفي التفكير وفي السلوك ، وهذا النصّ يبرز أركان الخطاب الأساسيّة :
الموضوع والمخاطب والمخاطب ، والرسالة اللغويّة ، وتناسب هذه الأطراف كلّها ضمانا لنجاح عمليّة الاتّصال اللّغوي .
ويشير الطبري إلى قضيّة هامة كذلك وهو تمثل الخطاب اللغوي لسياق الثقافة الذي يحيط بالخطاب ، وضرورة أن يختزل الخطاب في داخله جميع " شيفرات " هذه الثقافة - إذا جاز التعبير - فالكلمات داخل الخطاب يمكن تفسيرها في ضوء هذا السياق الثقافي ، وقد يختلف تفسيرها تماما إذا قرأت في سياق ثقافي مغاير . يقول في موضع آخر من المقدّمة : " فالواجب أن تكون معاني كتاب اللّه المنزّل على نبيّنا محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - لمعاني كلام العرب موافقة ، وظاهره لظاهر كلامها ملائما ، وإن باينه كتاب اللّه بالفضيلة التي فضل بها سائر الكلام والبيان بما قد تقدّم وصفنا « 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير الطبري ، 1 / 5 .
( 2 ) نفسه ، 1 / 6 .