وإذا نظرنا إلى بعض عبارات الرازي في هذا المقام يقول : " هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم ، فقيل لهم : لا تكفروا بمحمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - فإنّه سيكون بعدكم الكفّار " « 1 » . وفي تعليقه على الآية
" وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ "
قال :
" القائلون بأنّه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قالوا : إنّما جاء الخطاب في قوله " وأقيموا الصلاة بعد أن كان النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم . . . " « 2 » . وقال في موضع آخر " والأقرب أنّ المخاطبين هم بنو إسرائيل لأنّ صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم " « 3 » . وعند الزمخشري في الكشّاف في تفسير الآية ( 21 ) " لمّا عدّد اللّه تعالى فرق المكلّفين من المؤمنين والكفّار والمنافقين ، وذكر صفاتهم وأحوالهم ، ومصارف أمورهم ، وما اختصّت به كلّ فرقة ممّا يسعدها . . . . أقبل عليهم بالخطاب " « 4 » . وفي شرح الآيات ( 71 - 73 ) قال : " على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولا لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها ، ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص ، وكذلك إذا وقع بعد التخصيص خوطبت الجماعة لوجود القتل فيها " « 5 » . وعند الطبري نجد تمثّلا لمشهد الخطاب المتكامل بكلّ عناصره وذلك حين يفسّر مشهد تعليم الأسماء لآدم عليه السلام ، وتمثّل الحوار الدائر بين اللّه والملائكة وآدم ، وما يعتمل في الصدور عند عقد المقارنة مع خطاب مماثل ، وإيضاح هدف الخطاب . إنّ مشاهد الخطاب كما يرسمها الطبري تكشف عن وعي عميق بمفهوم الخطاب ، وطبيعة الرسالة اللّغوية التي يحملها هذا الخطاب مع تدفّق الاتصال بين المخاطب والمخاطبين . ونشير هنا إلى هذا الوعي إشارة فقط لعدم اقتدارنا على التمثيل لأنّه نصّ طويل ويصعب الاجتزاء منه ، ونحيل القارئ إليه في مصدره ليقرأه كاملا غير منقوص « 9 » .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 42 .
( 2 ) نفسه ، 3 / 44 .
( 3 ) نفسه ، 3 / 47 .
( 4 ) الكشّاف ، 1 / 88 .
( 5 ) نفسه ، 1 / 153 .
( 9 ) انظر تفسير الطبري ، 1 / ( 166 - 169 ) .