" قلنا اهبطوا " ، فهو قول واحد كرّر مرتين لربط الكلام ، ولذلك لم يعطف " قلنا " لأنّ بينهما شبه كمال الاتصال . . . " « 1 » . في هذا الاقتباس تتجلّى وظيفة الربط أساسا إلّا أنّه قد حكمت هذا التكرير مقتضيات تداوليّة عبّر عنها ابن عاشور " بتوهّم السامع أنّه خطاب للمؤمنين " إضافة إلى مقتضى خطابي صرف متعلّق بتماسك الخطاب ، وهو اعتراض كلام بين قولين ، وقد جاء التكرير لوصل ما انقطع بينهما .
ويتتبّع الزمخشري في تفسيره " التكرير " ويربط ذلك بالسياق ، فحين يفسّر الآية
" وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "
. يقول : " فانظر كيف كرّر اللّه عزّ وجل التنبيه على اختصاص المتّقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتّى ، وهي ذكر اسم الإشارة وتكريره ، وتعريف المفلحين ، وتوسيط الفصل بينه وبين أولئك يبصّرك مراتبهم . ويرغّبك في طلب ما طلبوا ، وينشطك لتقديم ما قدّموا ، ويثبّطك عن الطمع الفارغ ، والرجاء الكاذب ، والتمنّي على اللّه ما لا تقتضيه حكمته " « 2 » . إذن فالزمخشري يرى أنّ النصّ يحشد أساليب عديدة من اجل إيصال الرسالة اللغوية ، والتأكيد على هدفها ، وهي الترغيب بنيل منزلة المتّقين هنا ، والتكرير هو أحد هذه الأساليب .
ومن أمثلة هذا عند الرازي ربطه بين التكرار والعطف في الآية
" أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ "
. قال : في تكرير ( أولئك ) تنبيه على أنّهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ، ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضا ، فقد تميّزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين " « 3 » . ثم يتساءل : " فإن قيل : فلم جاء مع العاطف ، يشرح ذلك كما سبق أن ذكرنا في مبحث العطف " . وهنا إشارة أخرى إلى تعدّد وظائف التكرير في سياق التواصل مع المخاطبين .
هامش
( 1 ) التحرير والتنوير ، 1 / 44 .
( 2 ) الكشاف ، 1 / 46 .
( 3 ) نفسه ، 1 / 52 .