وسلّم - ثمّ قرنه بالوعيد ، وهو قوله
" وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً "
« 1 » . فتعتبر الآية تكريرا جزئيّا لآية سابقة هي الآية ( 40 ) فبالإضافة إلى مساهمة هذا التكرير في تماسك الخطاب فإنّه يؤدّي وظيفة أخرى هي توكيد الحجّة ، وتحذير بني إسرائيل ، وهي وظيفة غير موجودة في النصّ ، ذلك أنّ كلّ ما يستفاد من هذه الآية هو كونها تذكيرا لهم ، ولكنّ السياق الذي وردت فيه ، ما تقدّمها من أوامر ونواه وما لحقها من تذكير بنعم أخرى يوضح هذا ، أمّا وظيفة التحذير فهي مستفادة من الآية اللاحقة لها مباشرة .
لكنّنا نجد وظيفة التكرير في الآية نفسها مختلفة لدى ابن عاشور قال : " أعيد خطاب بني إسرائيل بطريقة النداء مماثلا لما وقع في خطابهم الأول لقصد التكرير للاهتمام بهذا الخطاب وما يترتّب عليه . . . ، فللتكرير هنا نكتة جمع الكلامين بعد تفريقهما ونكتة التعداد لما به إجمال معنى النعمة " « 2 » . إنّ في هذا تنصيصا على الوظيفة المزدوجة التي يقوم بها التكرير ، وهي : الربط أوّلا ( الجمع بين الكلامين ) والثانية : الوظيفة التداوليّة المعبّر عنها هنا بالاهتمام بالخطاب ، أي لفت أسماع المتلقّين إلى أنّ لهذا الكلام أهميّة لا ينبغي إغفالها ، يضاف إلى هذا أنّ افتتاح الخطاب على هذا النحو الإجمالي يمنح إمكانيّة التفصيل نعمة نعمة .
وفي السياق نفسه نذكر تفسير ابن عاشور للآيتين ( 38 ) و ( 39 ) قال : " كرّرت جملة
" قُلْنَا اهْبِطُوا "
فاحتمل تكريرها أن يكون لأجل ربط النظم في الآية القرآنية ، من غير أن تكون دالّة على تكرير معناها في الكلام الذي خوطب به آدم ، فيكون هذا التكرير لمجرّد اتصال ما تعلّق بمدلول " قلنا اهبطوا " ، وذلك قوله :
" بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ "
وقوله :
" فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
: إذ قد فصل بين هذين المتعلّقين ما اعترض بينهما من قوله :
" فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ "
، فإنّه لو عقّب ذلك بقوله :
" فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً "
لم يرتبط كمال الارتباط ، ولتوهّم السامع أنّه خطاب للمؤمنين على عادة القرآن في التفنّن ، فلدفع ذلك أعيد قوله
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 55 .
( 2 ) التحرير والتنوير ، 1 / 482 .