وعند الرازي توضيح لمسألة الإشارة ودورها في اتّساق الخطاب ، ففي تفسيره للآية ( 176 ) من سورة البقرة
" ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ "
. قال : " اختلفوا في أنّ قوله ( ذلك ) إشارة إلى ما ذا ؟ فذكروا وجهين ( الأوّل ) أنّ ذلك إشارة إلى ما تقدّم من الوعيد ، لأنّه تعالى لمّا حكم على الذين يكتمون البينات بالوعيد الشديد ، بيّن أنّ ذلك الوعيد على ذلك الكتمان إنّما كان لأنّ اللّه نزّل الكتاب بالحقّ في صفة محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم . . . . . و ( الثاني ) أنّ ( ذلك ) إشارة إلى ما يفعلونه من جراءتهم على اللّه في مخالفتهم أمر اللّه وكتمانهم ما أنزل اللّه ، فبيّن تعالى أنّ ذلك إنما هو من أجل أنّ اللّه نزّل الكتاب بالحق . . . " « 1 » . إنّ في الآيتين المتقدّمتين على هذه الآيات ( 174 - 175 ) ما يعزّز هذين الاحتمالين ؛ لذا نلاحظ أنّ الرازي لا يرجّح احتمالا على آخر مكتفيا بإيرادهما منسوبين إلى الغائب ( اختلفوا ، ذكروا ) وربّما كان ما صنعه من ترجيح أحدهما هو ورودهما معا . ولقد تمّت الإحالة فيهما معا إلى خطابين ، وليس إلى عنصر وخطاب .
على أنّنا نجد رأيا آخر في الإشارة الواردة في هذه الآية فصاحب ( التحرير والتنوير ) يقول : " جيء باسم الإشارة لربط الكلام اللاحق بالسابق على طريقة العرب في أمثاله ، إذا طال الفصل بين الشيء وما ارتبط به من حكم أو علّة ، أو نحوهما ، . . . .
والكلام السابق الأظهر أنّه قوله
" فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ "
. والمعنى أنّهم استحقّوا العذاب على كتمانهم ، بسبب أنّ اللّه أنزل الكتاب بالحقّ فكتمانهم شيئا من الكتاب كتمان للحق ، وذلك فساد ، وتغيير لمراد اللّه " « 2 » . ويفهم من كلامه أنّ الإشارة تمت إلى أقرب شيء إليها وهو التعجّب الذي ختمت به الآية ( 175 ) ، لكنّ الأهمّ في اعتقادنا هو إشارته الصريحة إلى وظيفة الإشارة من حيث تماسك الخطاب ، حتّى إنّ القارئ يفهم من ملاحظته هذه أنّ
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 5 / 25 .
( 2 ) ابن عاشور ، التحرير والتنوير ، 2 / 126 .