والمفسّر يسمح لنفسه في سبيل الحرص على التواؤم بين السياقين اللّغوي والمقامي أن يؤوّل العلاقات التي تحكم الضمائر ؛ فالضمير في " تطمعون " دالّ على الجمع فحين يوجّه ليعود على النّبي تكون هناك مشكلة فيفترض أنّه عموم يراد به الخصوص من أجل أن يبقى النصّ متّسقا .
ويعالج الرازي مسألة الإضمار معالجة ذكيّة في آية تحويل القبلة " وللّه المشرق والمغرب فحيثما تولّوا . . " فيذهب إلى أنّ قوله تعالى
" فَأَيْنَما تُوَلُّوا "
ينصرف إلى الجهات المأمور بها ،
( فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )
ويعقّب على ذلك قائلا : " إلّا أنّ هذا الإضمار لا بدّ منه على كلّ حال لأنّه من المحال أن يقول تعالى :
" فَأَيْنَما تُوَلُّوا "
بحسب ميل أنفسكم
( فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ )
بل لا بدّ من الإضمار الذي ذكرناه ، وإذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير ونظيره ، إذا أقبل أحدنا على ولده وقد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له : كيف تصرّفت فقد اتبعت رضائي ، فإنّه يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير ، ولا يحمل ذلك على التخيير المطلق فكذا هاهنا " « 1 » . ففي هذا النصّ تضييق لإمكانيّة إحالة الضمير إلى أكثر من جهة لعدم سماح السياق بذلك بنوعيه : السياق اللّغوي والمقامي . ونلاحظ أيضا استشهاد الرازي بالوقائع والسياقات المشابهة في تعليل مجيء النصّ على هذه الصيغة دون سواها .
وهو ملحظ يتكرّر عند المفسّرين من حيث استنطاق خطابات البشر في مواقفهم اليوميّة من أجل تقريب فهم الخطاب القرآني باعتباره يخاطب البشر فيما هو مألوف لديهم من أساليب الخطاب .
وفيما لحظنا تضييقا في احتمالات الإحالة في المثال السابق فإنّ الرازي يوسّع هذه الاحتمالات في إحالة الضمير في قوله تعالى :
" فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ "
« 2 » . فيرى أنّ قوله " أنه الحق " يعود إلى مذكور سابق ، وقد تقدّم ذكر
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 4 / 20 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 26 ) .