الرسول ، فجاز أن يكون المراد أنّ القوم يعلمون أنّ الرسول مع شرعه ونبوّته حقّ ، فيشتمل ذلك على أمر القبلة وغيرها ، ويحتمل أن يرجع إلى هذا التكليف الخاصّ بالقبلة وأنّهم يعلمون أنّه الحق ، وهذا الاحتمال الأخير أقرب لأنّه أليق بالكلام " « 1 » . إنّ تعدّد الاحتمالات لإحالة الضمير أمر مرتبط بما يسمح به السياق أو المقام ، وترجيح أحد الاحتمالات إنّما يكون أيضا بالاستناد إلى ذلك السياق ، وانظر إلى عبارته " لأنّه أليق بالكلام " وما تدلّ عليه من ضرورة الانسجام التامّ ، وما تدلّ عليه من الاستئناس بالعرف اللّغوي والمقامي وهو يكررها كثيرا في تفسيره .
واهتمّ المفسّرون كذلك بأسماء الإشارة بأنواعها ، وتنوّع تناولهم لها ، وتراوح بين تعدّد المشار إليه وبين الإشارة إلى الخطاب ، وعدم التطابق بين اسم الإشارة والمشار إليه وغيرها . فمن أمثلة تتبّعهم لمسألة تعدّد المشار إليه ، تفسير الزمخشري للإشارة الواردة في الآية ( 74 ) من سورة البقرة
" ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً "
يقول : " ذلك " إشارة إلى إحياء القتيل أو إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة " « 2 » . نحن هنا أمام المظهر السابق نفسه في الإحالة الضميرية أي تعدد - أو على الأقل ازدواج - المشار إليه . ونلاحظ أنّ الاحتمالين مختلفان ، إذ في الإشارة إلى ( القتيل ) نكون أمام إحالة عنصر إلى عنصر ، وفي الإشارة إلى الآيات المعدودة وهي سبع آيات تتناول ذبح البقرة من الآية ( 67 ) إلى الآية ( 73 ) نحن أمام الإحالة إلى خطاب مكوّن من عدة آيات ، ورغم أنّ المفسّرين لم يفرّقوا بين النوعين فإنّ هذا لا يمسّ المبدأ العام الثاوي خلف الإشارة ، وهو جعل الخطاب متماسكا من خلال استحضار عنصر متقدّم أو خطاب بأكمله . ولعلّ فكرة الاستحضار لم تكن غائبة عن المفسّرين خاصّة منهم الزمخشري الذي نصّ على ذلك ، وإن في سياق آخر بقوله : " وقوله
" أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ "
استحضار لقوله لهم
" إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ "
إلا أنه جاء على وجه أبسط من ذلك وأشرح " « 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 1 / 123 .
( 2 ) الكشّاف ، 1 / 290 .
( 3 ) نفسه ، 1 / 290 .