إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ "
قال : " واختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى :
" وَاسْتَعِينُوا "
فقال قوم : " هم المؤمنون بالرسول قال : لأنّ من ينكر الصلاة أصلا ، والصبر على دين محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة فلا جرم وجب صرفه إلى من صدّق بمحمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، ولا يمتنع أن يكون الخطاب لبني إسرائيل ثم يقع بعد ذلك خطابا للمؤمنين بمحمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - ، والأقرب أنّ المخاطبين هم بنو إسرائيل لأنّ صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم " « 1 » ، وجليّ أن الرازي في إرجاعه الضمير إلى بني إسرائيل اعتمد على موقع الآية من الآيات السابقة ، باعتبار أنّ الخطاب فيها موجّه إلى بني إسرائيل دون غيرهم أما الذي أرجعه إلى المؤمنين فقد اعتمد على معرفته للعالم ، ذلك أنّ الأحقّ بهذا الخطاب هم المؤمنون بدين محمد ، أمّا اليهود فلا يعقل أن يخاطبوا بالصبر والصلاة وهم كافرون ، والرازي لا ينكر الصلاة عند اليهود ، ولكنّ صلاتهم مختلفة كيفا عن صلاة المسلمين ، إلّا أن الأهمّ في نظره الاحتفاظ بقوّة نظم الآية بدل تفكّكه ( تماسك الخطاب ) .
ومن أمثلة تواؤم الضمائر مع سيرورة الخطاب ما طرحه الزمخشري في توقّعه عند دلالة الضمير على المفرد في الآية
" وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ "
« 2 » . " فإن قلت : كيف قال : وما أنت بتابع قبلتهم ولهم قبلتان : لليهود قبلة وللنصارى قبلة ؟ قلت " كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحقّ ، فكانتا بحكم الاتّحاد في البطلان قبلة واحدة " « 3 » . وفضلا عن اهتمامه بالاتّساق الداخلي في النص ، فقد اتّكأ على حقيقة موضوعيّة خارجيّة لتفسير هذا الاتّساق وهي بطلان الدعوى التي طرحوها . ومن أمثلة الحرص على توضيح ما يظنّ أنّه يعارض هذا التواؤم ما أورده الماوردي في تفسيره حول الآية
" فَتابَ عَلَيْكُمْ "
« 4 » . قال : " فإن قيل :
هامش
( 1 ) تفسير الرازي ، 3 / 51 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 144 ) .
( 3 ) الزمخشري ، الكشاف ، 1 / 204 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية ( 54 ) .