والطبري كذلك يقف عند ضروب الإحالات التي أشار إليها المفسّرون الآخرون ، ومن الإحالة الآحادية التي ذكرها ما جاء في تفسير الآية
" وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ "
« 1 » . ذكر أنّ الضمير في " لهم " يعود على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وأن الضمير في " فيها " يعود على الجنّات ، وتأويل ذلك هو " وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنّ لهم جنات فيها أزواج مطهّرة " والضمير في ( هم ) عائد على الذين آمنوا وعملوا الصالحات " « 2 » ، وهذه الإحالة من ضمائر متعدّدة على شيء واحد يساهم في تشاكل السياق وائتلاف نظم الكلام .
ويؤكد الرازي أهميّة اتّساق الضمائر في الخطاب وأثرها في اتّساق نظم الكلام حين يقف عند الآية " وأتوا به متشابها " ويسأل " إلام يرجع الضمير في قوله " " وأتوا به " ويفاضل بين ما يمكن أن يعود إليه الضمير قائلا : " إن قلنا المشبّه به هو رزق الجنّة فإلى الشيء المرزوق في الدنيا والآخرة ، يعني أتوا بذلك النوع متشابها يشبه الحاصل منه في الآخرة ما كان حاصلا منه في الدنيا ، وإن قلنا المشبه به هو رزق الجنّة أيضا فإلى الشيء المرزوق في الجنة ، يعني أتوا بذلك النوع في الجنة بحيث يشبه بعضه بعضا " « 3 » . وبعد ذلك يتساءل " كيف موقع قوله " وأتوا به متشابها من نظم الكلام ؟ " ويجيب : " إن اللّه تعالى لمّا حكى عن أهل الجنة ادعاء تشابه الأرزاق في قوله
" قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ "
فاللّه تعالى صدقهم في تلك الدعوة بقوله :
" وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً "
« 4 » .
ونورد هنا مثالا على أنّ صرف الضمير إلى عنصر معيّن دون غيره قد يساهم في تفكيك النظم ، ففي تفسير الرازي للآية ( 45 )
" وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 25 ) .
( 2 ) تفسير الطبري ، 1 / 147 .
( 3 ) نفسه ، 3 / 130 .
( 4 ) نفسه ، 3 / 13 .