" وكتبه " التي مرّ ذكرها فإنّه " يقرأ بالتوحيد والجمع ، فالحجّة لمن وحّد أنّه أراد ( القرآن ) لأنّ أهل الأديان المتقدّمة قد اعترف بعضهم لبعض بكتبهم ، وآمنوا بها إلّا القرآن فإنّهم أنكروه فلذلك أفرد ، وجمع الرسل لأنّهم لم يجمعوا على الإيمان بهم " « 1 » . فطبيعة الموقف الذي اتّخذته الأمم السابقة انعكس داخل النصّ وفي المستوى الصرفي ما بين إفراد وجمع ، وهو ما يؤكّد أنّ انعكاسات السياق الخارجي تتبدّى داخل مستويات النصّ اللّغوي جميعها ، نحوها وصرفها ، ودلالتها ، وصوتها وبيانها . ومنه كذلك توجيه الآية الكريمة رقم ( 36 )
" فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ "
" تقرأ بإثبات الألف والتخفيف ، وبطرحها والتشديد . فالحجّة لمن أثبت الألف أن يجعله من الزوال والانتقال عن الجنة ، والحجّة لمن طرحها أن يجعلها من الزلل وأصله ( فأزللهما ) فنقلت فتحة اللام إلى الزاي فسكنت اللام ، فأدغمت للمماثلة " « 2 » . فإذا كان الواقع الخارجي ( السياق المقامي ) زوالا أي انتقالا ترجّحت القراءة الأولى ، وإن كان التركيز على عنصر الزلل والخطأ في الواقع الخارجي ترجّحت القراءة الثانية .
وممّا يتّصل بهذا الموضوع ما يمكن أن نطلق عليه " المقامات الاجتماعيّة ، أو أحوال المخاطب والمخاطب والمنزلة التي يحتلّها كلّ منهما ، وكذلك مراعاة المكانة الدينيّة ، وما يليق بحقّ الخالق وما لا يليق وأمثلته عديدة ، مرّ معنا بعضها سابقا ، ونضيف هنا قراءة الآية
" وَإِذْ واعَدْنا "
فقد قال ابن خالويه فيها : " هاهنا وفي الأعراف وطه ، يقرءان بإثبات ألف بين الواو والعين وبطرحها ؛ فالحجّة لمن أثبت الألف أنّ اللّه تعالى وعد موسى عليه السلام وعدا فقبله ، فصار شريكا فيه فجاء الفعل ب ( فاعلت ) لأنّه بنيّة فعل الاثنين ، فإذا جاء للواحد فهو قليل ، والحجة لمن طرح الألف أن يقول : اللّه هو المنفرد بالوعد والوعيد ، وإنّما تكون المواعدة بين المخلوقين ، فلمّا انفرد اللّه تعالى بذلك كان ( فعلت ) فيه أولى من
هامش
( 1 ) ابن خالويه ، الحجة في القراءات السبع ، ص ( 105 ) .
( 2 ) نفسه ، ص : 74 .