تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
ويتحكّم بتوجيه الخطاب في القراءة أحيانا استحضار سياق الحال ، كأن تأتي الآية جوابا على سؤال محدّد ، فإذا ما تغيّر السؤال تغيّرت الإجابة ، وفي حالتنا هذه تغيّرت القراءة ، ومن أمثلته كذلك قراءة الآية " لا بيع فيه ولا خلّة - ولا شفاعة " ( يقرأ ذلك بالرفع والتنوين ، وبالنّصب وترك التنوين ؛ فالحجّة لمن رفع أنّه جعله جوابا لقول قائل : هل عندك رجل ؟ فقال لا رجل ، فلم يعمل ( لا ) لأنّ ( هل ) غير عاملة ، والحجّة لمن نصب أنّه جعله جوابا لقول قائل : هل من رجل ؟ فقال ( لا رجل ) لأنّ ( من ) لمّا كانت عامله في الاسم كان الجواب عاملا فيه النّصب ، وسقط التنوين للبناء ، كما سقط في " رام هرمز " « 1 » . ويدخل في هذا الإطار أيضا قراءة الآية الكريمة
" قُلِ الْعَفْوَ "
« 2 » . يقرأ بالرفع والنّصب " فمن رفع جعل ( إذا ) منفصلة من ( ما ) فيكون بمعنى ( الذي ) فكأنّه قال : ما الذين ينفقون ؟ فقال : الذي ينفقون : العفو ، فترفعه بخبر الابتداء لأنّه جعل الجواب من حيث سألوا والحجّة لمن نصب أنّه جعل ( ما ذا ) كلمة واحدة ، ونصب العفو بقوله ( ينفقون ) كأنّه قال : ينفقون العفو " « 3 » . فاستحضار موقف خطاب فيه حوار بين طرفين قد يوضح مجيء النصّ بهذه الصياغة اللّغويّة تلبية لمتطلّبات ذلك الخطاب الذي يحمل جوّا سياقيّا معيّنا ، وهو أسلوب يلجأ إليه علماء القرآن والمفسّرون عادة في توضيح صيغ القرآن وأساليبه . وتوجيه الخطاب يترتّب عليه توجيه الأحكام وتغييرها ، ومن ذلك قراءة الآية ( 184 ) من سورة البقرة في قوله
" فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ "
يقرأ بالتنوين والتوحيد ، وبالإضافة والجمع ؛ فالحجّة لمن رفع ووحّد أنّ الفدية مبتدأ وطعام بدل منها ومسكين واحد ، لأنّ عليه عن كل يوم يفطره إطعام مسكين ، والحجّة لمن أضاف وجمع أنّه جعل الفدية عن أيام متتابعة لا عن يوم واحد " « 4 » .
هامش
( 1 ) ابن خالويه ، الحجة في القراءات السبع ، ص 99 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 219 ) . ( 3 ) ابن خالويه ، الحجة في القراءات ، ص 96 . ( 4 ) نفسه ، ص 93 .