تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
( فاعلت ) « 1 » . إنّ هذه المراعاة لمقام اللّه عزّ وجل في قوله : " إنّما تكون المواعدة بين المخلوقين " ، وتكييف الخطاب بحسب مقامات المخاطبين أو المخاطبين يعتبر من أبرز ملامح اللسانيّات الاجتماعيّة التي تقوم على مراعاة العرف الاجتماعي ، والعرف العام للّغة . ومن أمثلته كذلك قوله تعالى :
" وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "
« 2 » . وقوله
" إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "
« 3 » . وقوله
" وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "
« 4 » . " يقرءان بالياء والتاء ، فالتاء في الأول أكثر لقوله تعالى
" ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ "
. والياء والتاء في الثاني معتدلتان ، فالحجّة لمن قرأ بالتاء أنّه أراد " وما اللّه بغافل عما تعملون أنتم وهم " والاختيار في التاء لعلّتين : إحداهما أنّ ردّ اللفظ على اللفظ أحسن ، والثانية أنّه لمّا ثبت أنّ اللّه ليس بغافل عما يعمل كل أحد اعتدلت التاء والياء فيهما ، والحجّة لمن قرأ بالياء أنّ العرب ترجع من المخاطبة إلى الغيبة كقوله تعالى :
" حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ "
ولم يقل بكم ، والياء والتاء في الثالث قريبتان ، والاختيار الياء لقوله " من ربّهم " والياء والتاء في الرابع متساويتان ؛ لأنّه لم يتقدّم في قوله
" وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ "
ما تكون إحداهما أولى بالردّ عليه ، إلّا أن يجعل قوله " من ربّك " إفرادا للنبيّ عليه السلام بالخطاب ، والمعنى له ولأمّته ، فيكون الاختيار على هذا الوجه التاء ، كما قال اللّه تعالى :
" يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ "
« 5 » . فها هنا تحرّ لمقام النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - ( إفرادا للنّبي بالخطاب ) ونلحظ فيه كذلك توخيهم لعمليّة الاتّساق الداخلي في النصّ ، وكذلك استحضارهم لسنن العرب في كلامها من حيث ( إنّ العرب ترجع من المخاطبة إلى الغيبة ) .
هامش
( 1 ) ابن خالويه ، الحجة في القراءات السبع ، ص 77 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 74 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 85 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية ( 149 ) . ( 5 ) ابن خالويه ، الحجّة في القراءات السبع ، ص ( 83 ) .