ومنها كذلك المناسبة بين فواصل الآي والسياق ، والأصل في الفاصلة المساواة ، وعدّوا خروجها عن ذلك للمناسبة « 1 » . وتوقف العلماء عند مسألة ( مشكلات الفواصل ) فذكروا من أمثلتها قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة :
" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
« 2 » .
وفي آل عمران :
" قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
« 3 » . فإنّ المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة ، وفي آية آل عمران الختم بالعلم ، والجواب " أنّ آية البقرة لمّا تضمّنت الإخبار عن خلق الأرض وما فيها على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم ، وخلق السماوات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت ، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله كليّا وجزئيّا ، مجملا ومفصّلا يناسب ختمها بصفة العلم ، وآية آل عمران لمّا كانت في سياق الوعيد على موالاة الكفار ، وكان التعبير بالعلم منها كناية عن المجازاة بالعقاب والثواب ، ناسب ختمها بصفة القدرة " « 4 » . وفي هذا التنبّه إلى علاقة الفاصلة بالغرض الذي سيقت له الآية وموضوعها ، ربط دقيق بعلاقة عناصر السياق المختلفة بصياغة النصّ . وينقل صاحب الإتقان عن أحد المفسّرين أنّ المحافظة على الفواصل ليست مسألة شكليّة ، ولا تتمّ على حساب إهمال المعاني ، بل " إنّ ذلك متعلّق بحسن النظم والالتئام ، ومن ذلك أنّ التقديم في
( وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ )
« 5 » ليس لمجرّد الفاصلة بل لرعاية الاختصاص " « 6 » .
هامش
( 1 ) الإتقان ، 2 / 209 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 29 ) .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية ( 29 ) .
( 4 ) السيوطي ، الإتقان 2 / 223 .
( 5 ) سورة البقرة ، الآية ( 4 ) .
( 6 ) السيوطي ، الإتقان 2 / 226 .