يحرصون على الفصل بين علم ( المناسبة ) وعلم ( الأسباب ) ، من حيث إنّ كلّ واحد منهما ينظر للنصّ من زاوية خاصّة .
وفي سورة البقرة يظهر علماء القرآن بعض العلاقات التي اتصلت من خلالها الآيات بعضها ببعض ، ومن ذلك علاقة المضادّة كما في قوله تعالى :
" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ "
« 1 » . فإنّ أوّل السورة كان حديثا عن القرآن ، وإنّ من شأنه الهداية للقوم الموصوفين بالإيمان ، فلمّا أكمل وصف المؤمنين عقّب بحديث الكافرين فبينهما جامع وهمي ، ويسمّى بالتضاد من هذا الوجه ، وحكمته التشويق ، والثبوت على الأوّل كما قيل ( وبضدّها تتميّز الأشياء ) « 2 » . ومنه كذلك ما سأله الكرماني في " العجائب " بقوله " إن قيل كيف جاء ( يسألونك ) أربع مرات بغير واو :
" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ "
،
" يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ "
،
" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ "
،
" يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ "
، ثم جاء ثلاث مرات بالواو :
" وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ "
،
" وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى "
،
" وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ "
، ثمّ يجيب : " لأنّ سؤالهم عن الحوادث الأولى وقع متفرّقا ، وعن الحوادث الأخر وقع في وقت واحد ، فجيء بحرف الجمع دلالة على ذلك ، فإن قيل : كيف جاء
" وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ "
وعادة السؤال يجيء جوابه في القرآن بقل ؟ قلنا : حذفت للإشارة إلى أنّ العبد في حال الدعاء في أشرف المقامات لا واسطة بينه وبين مولاه " « 3 » .
ويدخل في درس التناسب ما عرف باسم ( الآيات المشتبهات ) « 9 » ويقصد به " إيراد القصّة الواحدة في صور شتّى ، وفواصل مختلفة ، بل تأتي في موضع واحد مقدما ، وفي آخر مؤخرا كقوله في البقرة :
" وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ "
، وفي الأعراف
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 6 ) .
( 2 ) السيوطي ، الإتقان ، 1 / 236 .
( 3 ) السيوطي ، الإتقان ، 2 / 247 .
( 9 ) أفرده بالتصنيف خلق منهم الكسائي ، والسخاوي ، والكرماني ، والرازي ، وجعفر بن الزبير ، وبدر الدين بن جماعة ، والسيوطي في أسرار التنزيل المسمّى ( قطف الأزهار في كشف الأسرار ) .