واهتم علماء القرآن كذلك بمسألة المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمتها ، وربطوا ذلك بالسياق ، من خلال الإشارة إلى أثر ذلك على المتلقي ومراعاة أحواله النفسية واستجاباته ، كما ربطوا ذلك بظروف الخطاب « 1 » . كما ربطوا ذلك بالغرض الذي سيقت له السورة ، وما يحتاج إليه من المقدمات والفواتح « 2 » . وأمّا ( خواتم السور ) فهي مثل الفواتح في الأهميّة فيجب أن يتوافر فيها شروط التأثير والحسن ؛ " لأنّها آخر ما يقرع الأسماع كالدعاء الذي اشتملت عليه الآيتان من آخر سورة البقرة " « 3 » .
ويشرح صاحب البرهان هذا الضرب من المناسبة بقوله : " ومن ذلك افتتاح السور بالحروف المقطّعة ، واختصاص كلّ واحدة بما بدئت به حتّى لم يكن لترد ( ألم ) في موضع ( الر ) ولا ( حم ) في موضع ( ص ) ، وذلك أنّ كلّ سورة بدئت بحرف منها فإنّ أكثر كلماتها وحروفها مماثل له ، فحقّ لكلّ سورة منها أن لا يناسبها غير الواردة منها " « 4 » . وذكر أنّ عادة القرآن العظيم في ذكر هذه الحروف أن يذكر بعدها ما يتعلّق بالقرآن ، كقوله
" ألم ذلِكَ الْكِتابُ "
« 5 » .
ومن ألوان التناسب التي يشيرون إليها التناسب بين موضوع الخطاب والأسلوب ؛ ففي سورة البقرة وهي نموذج للقرآن المدني يذكرون أن موضوعاتها شملت دقائق التشريع ، ومناقشة أهل الكتاب من يهود ونصارى في أمور العقائد ، ولذلك فقد سلكت سبيل الإطناب والتطوير ، والشرح والإيضاح ، وذلك مراعاة للموضوع ومقتضيات الأحوال التي شملها العهد المدني « 6 » .
هامش
( 1 ) انظر مثلا الإتقان ، 2 / 230 ، وقد ألّف السيوطي كتابا في مناسبة فواتح السور وخواتمها سمّاه مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع ولكنّه لم يصل ، وأورد في الإتقان طرفا منه .
( 2 ) انظر الإتقان 2 / 239 .
( 3 ) نفسه 2 / 232 .
( 4 ) البرهان ، 2 / 130 .
( 5 ) نفسه .
( 6 ) مناهل العرفان ص ( 202 - 203 ) .