والاحتمال الثاني في وجه ارتباط جزأي الآية يتباعد عن هذا الفهم التمثيلي لصور إتيان البيوت من ظهورها ، ويكتفي بالتركيز على علاقة النصّ بالواقع ، فيذهب إلى أن إتيان البيوت من ظهورها نوع من الاستطراد بعد ذكر الحجّ ، ردّا على سؤالهم عن الهلال إنّه من باب الاستطراد لما ذكر أنّها مواقيت للحجّ ، وقد مرّ بنا سبب نزول هذه الآية فقيل لهم : ليس البرّ بتحرّجكم دخول الباب ، ولكن البرّ من اتّقى ما حرّم اللّه وكان من حقّهم السؤال عن الأهلّة . وهذا الاحتمال ينقلنا إلى مناقشة العلاقة بين ( المناسبة ) و ( السبب ) ، وإذا كان السبب هو الحادثة أو الواقعة التي ينزل النصّ استجابة لها رفضا أو تأييدا أو تعديلا ؛ فهي الأساس الذي يستند إليه الفقيه في استخراج الحكم الشرعي الذي تتضمّنه الآية . وإذا كانت الآيات المختلفة تتجاور بناء على علاقات ( تناسب ) غير أسباب نزولها ، فقد يؤدّي بعض ذلك إلى نوع من الغموض كما هو الحال في آية سؤال الأهلّة .
وقد أثار علماء القرآن هذه المسألة على الوجه التالي : " وقد تنزل الآيات على الأسباب خاصّة ، وتوضع كلّ واحدة منها مع ما يناسبها من الآي رعاية لنظم القرآن وحسن السياق ، فذلك الذي وضعت معه الآية نازلة على سبب خاصّ للمناسبة إذا كان مسوقا لما نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام ، أو كان من جملة الأفراد وضعا تحت اللفظ العام ، فدلالة اللفظ عليه : هل هي كالسبب فلا يخرج ، ويكون مرادا من الآيات قطعا ؟ أو لا ينتهي في القوّة إلى ذلك ؟ لأنّه قد يراد غيره وتكون المناسبة مشبّهة به " « 1 » .
وجواب السؤال يكون في أنّ الأحداث والمناسبات التي تتعلّق الآيات بها لا تمنع من وضع الآية في موقع آخر يناسبها لجعل نظام السرد القرآني نظاما متلاحما متماسكا متجانسا ، وهذا بالطبع يجعل من مهمة الشارح أو المفسّر مهمّة صعبة معقّدة ؛ إذ عليه أن ينظر في هذا النظام ويعيد لكلّ آية موقعها من المناسبات والأحداث والمقامات للإلمام بالأحوال والقرائن . ثمّ إنّ النّصوص لا تصوغ الوقائع صياغة حرفيّة ، ومع ذلك فإنّ العلماء
هامش
( 1 ) الزركشي ، البرهان ، 1 / 25 .