تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
النزول فارق بين درس علاقات النصّ في صورتها الأخيرة النهائيّة ، وبين درس أجزاء النصّ من حيث علاقاتها بالظروف الخارجيّة أو السياق الخارجي لتكوّن النصّ وتشكّله . إنّه بعبارة أخرى فارق بين البحث عن جماليّات النصّ ، وبين البحث عن دلالة النصّ على الوقائع الخارجيّة ، ومن هنا نفهم إصرار القدامى على أنّ علم أسباب النزول ( علم تاريخي ) في حين أنّ علم المناسبة علم أسلوبي ، بمعنى أنّه يهتمّ بأساليب الارتباط بين الآيات والسور . وقد كان العلماء والباحثون القدامى على وعي بإمكان الاعتراض على هذا العلم باعتبار أنّ القرآن نزل في أوقات وأماكن مختلفة ، وعلى هذا الاعتراض يجيب أحد مشايخ الزركشي قائلا : " قد وهم من قال : لا يطلب للآي الكريم مناسبة لأنّها على حسب الوقائع المتفرّقة ، وفصل الخطاب أنّها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا ، فالمصحف كالصحف الكريمة على وقف ما في الكتاب المكنون ، مرتّبة سوره كلّها وآياته بالتوقيف ، وحافظ القرآن لو استفتي في أحكام متعدّدة ، أو ناظر فيها ، أو أملاها لذكر آية كلّ حكم على ما سئل ، وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى ، ولا كما نزل مفرّقا ، بل كما أنزل جملة إلى بيت العزّة . . . ، والذي ينبغي في كلّ آية أن يبحث أوّل كلّ شيء عن كونها مكمّلة لما قبلها مستقلّة ، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها ، ففي ذلك علم جمّ ، وهكذا في السور يطلب وجه اتّصالها بما قبلها ، وما سيقت له " « 1 » . ولعلّ السطر الأخير في هذا الاقتباس يوضح المسألة تماما ، فعلم المناسبة يبتغي جلاء العلاقة بين النصّ وسياقه الداخلي ( الاتّساق الداخلي ) من خلال النظر إلى النصّ في تشكّله الأخير ( ترتيب التلاوة ) بغضّ النظر عن ترتيب النزول علما أنّ لا تعارض أبدا بين الاتّساقين ( الداخلي والخارجي ) . والمناسبة بين الآيات والسور تقوم على أساس أنّ النصّ وحدة بنائيّة مترابطة الأجزاء ، ومهمّة المفسّر محاولة اكتشاف هذه العلاقات أو المناسبات الرابطة بين الآية والآية
هامش
( 1 ) الزركشي ، البرهان ، 1 / 37 .