وكثيرا ما يلجأ علماء القرآن إلى زمن النزول لتحديد المنسوخ ، ومنه ما جاء في ذكر الآية ( 21 ) من سورة البقرة ، فقد اشترط ابن الجوزي للقول بنسخها " أن يثبت أنّ نزول قوله
" فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً "
تأخّر عن نزول أوّل الآية ولا يثبت هذا " « 1 » . ونعرف أنّ زمن النزول من العناصر الرئيسة في السياق المقامي للنصّ ، وزمن النزول متّصل بحال المخاطبين والوقائع المصاحبة لنزول النصّ . فالوقائع المصاحبة مهمّة في تحديد معنى النصّ .
وهل هو محكم أم منسوخ ، وظروف المخاطبين عنصر أساس في تحديد ذلك . وانظر إلى ما ذكر في الآية
" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى "
« 2 » . قال ابن عبّاس : " هذا منسوخ بقوله تعالى " في المائدة : " النفس بالنفس " « 3 » . قال مكّي بن أبي طالب : " وهذا لا يجوز عند جماعة من العلماء لأنّ ما فرضه اللّه علينا لا ينسخه ما حكى اللّه من شريعة غيرنا ؛ إنّما أخبرنا اللّه - في المائدة - بما شرع لغيرنا ، لم يفرضه علينا " « 4 » . ثم يذكر رأي الشعبي وهو " أنّ آية البقرة مخصوصة نزلت في قوم تقاتلوا ، فقتل منهم خلق كثير وكانت إحدى الطائفتين أعزّ من الأخرى فقالت العزيزة : لا يقتل العبد منّا إلّا بالحرّ منكم ولا الأنثى إلّا بالرجل منكم ، فنزلت الآية ، في ذلك ، ثمّ هي في كل من أراد أن يفعل كفعلهم فهي محكمة " « 5 » . وإذن فطبيعة الواقعة ، وطبيعة ( سياق الحال ) الذي تنزّل فيه النصّ استدعت صياغته على هذا النحو ، وفي ( المائدة ) جاءت بصياغة أخرى ، وهذا الاختلاف في السياقات استدعى اختلاف النّصوص ، ومن ثمّ فلا نسخ ، وقال السدّي عبارة بليغة ، لها علاقة بحديثنا عن سبب النزول وزمنه وعلاقته بالنصّ قال : " هي مخصوصة في فريقين تقاتلا ، والنسخ إنّما هو لبيان الأزمان التي انتهى إليها الفرض الأوّل ، وابتدأ منها الفرض الثاني " « 6 » .
هامش
( 1 ) ابن الجوزي ، نواسخ القرآن ، ص 74 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية 178 .
( 3 ) مكيّ بن أبي طالب ، الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ، ط 1 دار المنارة ، جدة ، 1986 ، ص 134 .
( 4 ) نفسه ، ص 135 .
( 5 ) نفسه ، ص 135 .
( 6 ) نفسه ، ص 134 .