تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
من جهة ، وبين السورة والسورة من جهة أخرى ، وبديهي أنّ اكتشاف هذه العلاقات يعتمد على قدرة المفسّر وعلى نفاذ بصيرته في اقتحام آفاق النصّ . وحين عدّد الزرقاني في " مناهل العرفان " حكم نزول القرآن منجّما ، قال في الحكمة الرابعة : " الإرشاد إلى مصدر القرآن ، وأنّه كلام اللّه وحده ، وأنّه لا يمكن أن يكون كلام محمّد - صلّى اللّه عليه وسلّم - ولا كلام مخلوق سواه ، وبيان ذلك أنّ القرآن الكريم تقرؤه من أوّله إلى آخره ، فإذا هو محكم السرد ، دقيق السبك ، متين الأسلوب ، قويّ الاتّصال ، آخذ بعضه برقاب بعض في سوره وآياته ، وجمله ، يجري دم الإعجاز فيه كلّه من ألفه إلى يائه ، كأنه سبيكة واحدة وعقد فريد يأخذ بالأبصار ، نظمت حروفه وكلماته ، وبدا أوّله مواتيا لآخره " « 1 » . ويتساءل الزرقاني بعد ذلك : كيف اتّسق للقرآن هذا التأليف المعجز ، وكيف استقام هنا التناسق المدهش ، على حين أنّه لم يتنزّل جملة واحدة ، بل تنزّل آحادا مفرّقة تفرّق الوقائع والحوادث في أكثر من عشرين عاما ؟ ويجيب بالآية الكريمة :
" وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً "
« 2 » . ومرجع المناسبة في السور والآيات كما يرى السيوطي وجود رابط بينها عامّ أو خاصّ ، عقلي أو حسّي أو خيالي ، وغير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم " « 3 » وفائدته جعل أجزاء الكلام متّصلة مترابطة متلائمة كالبناء المحكم كما وصفها الزركشي « 4 » . وقد حاول علماء القرآن إيجاد روابط عامّة بين السور من حيث المضمون أوّلا ، وكان من الضروري أن تحتلّ سورة ( الفاتحة ) مكانة خاصّة من حيث إنّها تمثّل المدخل الأساسي للنصّ كما يتبيّن من اسمها ( الفاتحة ) أو ( أمّ الكتاب ) . إنّ ( الفاتحة ) تتضمّن كما يرى علماء القرآن كلّ أقسام القرآن ، فهي تشكّل الافتتاحيّة ، وتحصر علوم القرآن ،
هامش
( 1 ) الزرقاني ، مناهل العرفان ، ص 24 . ( 2 ) سورة النساء ، الآية ( 82 ) . ( 3 ) السيوطي ، الإتقان ، 2 / 235 . ( 4 ) الزركشي ، البرهان ، 1 / ( 35 - 36 ) .